ب- الإخلاص في معاملة المشتري، فلا يكون همه الأول كسب المزيد من الأموال، أو السعي الحثيث وراء الشهرة، فإذا كان الباعث خالصًا انقلب عمل التاجر إلى طاعةٍ تقربه من الله، لما رواه الطبراني عن كَعْبِ بن عُجْرَةَ رضي الله عنه أنه قال: مَرَّ على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، رَجُلٌ فَرَأَى أَصْحَابُ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من جِلْدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! لو كان هذا في سَبِيلِ اللَّهِ؟! فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( إن كان خَرَجَ يَسْعَى على وَلَدِهِ صِغَارًا، فَهُوَ في سَبِيلِ اللَّهِ ... ) ) [1] .
2 -الصدق: بحيث إذا قال لا يقول إلا صدقًا؛ فإن الصدق سبب الخير ومفتاح البركة، فعن حَكِيمِ بن حِزَامٍ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا أو قال حتى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا في بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ) ) [2] ، وعن عبد اللَّهِ بن مسعود قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فإن الصِّدْقَ يهدى إلى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يهدى إلى الْجَنَّةِ وما يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حتى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فإن الْكَذِبَ يهدى إلى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يهدى إلى النَّارِ وما يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حتى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا ) ) [3] .
ويظهر صدق التاجر من خلال الأمور التالية:
أ- الصدق في إخبار المشتري بحقيقة المباع دون زيادة أو نقصان بحسب ما تقتضي المصلحة، فلو حلف وكان كاذبا فقد جاء باليمين الغموس، وهو من الكبائر المستوجبة لدخول النار، فعن أبي ذَرٍّ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: قال: (( ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمْ الله يوم الْقِيَامَةِ ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ولا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قال فَقَرَأَهَا رسول اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثَلاثَ مرار قال أبو ذَرٍّ خَابُوا وَخَسِرُوا من هُمْ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ) ) [4] .
وروى الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن أبي سِبَاعٍ قال: اشْتَرَيْتُ نَاقَةً من دَارِ وَاثِلَةَ بن الأَسْقَعِ، فلما خَرَجْتُ بها أَدْرَكَنَا وَاثِلَةُ وهو يَجُرُّ رِدَاءَهُ، فقال يا عَبْدَ اللَّهِ اشْتَرَيْتَ؟ قلت: نعم، قال: هل بَيَّنَ لك ما فيها، قلت: وما فيها؟ قال: إِنَّهَا لَسَمِينَةٌ ظَاهِرَةُ الصِّحَّةِ، قال: فقال: أَرَدْتَ بها سَفَرًا، أَمْ أَرَدْتَ بها لَحْمًا؟ قلت: بَلْ أَرَدْتُ عليها الْحَجَّ، قال: فإن بِخُفِّهَا نَقْبًا ... إني سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: لاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ يَبِيعُ شَيْئًا إِلاَّ يُبَيِّنُ ما فيه وَلاَ يَحِلُّ لِمَنْ يَعْلَمُ ذلك إِلاَّ يُبَيِّنُهُ )) [5] .
(1) المعجم الكبير 19/ 129، رقم 282، قال في مجمع الزوائد 4/ 325، (( رواه الطبراني في الثلاثة ورجال الكبير رجال الصحيح ) ).
(2) صحيح البخاري 2/ 732، رقم 1973، بَاب إذا بَيَّنَ الْبَيِّعَانِ ولم يَكْتُمَا وَنَصَحَا، صحيح مسلم 3/ 1164،رقم 1532، بَاب الصِّدْقِ في الْبَيْعِ وَالْبَيَانِ.
(3) صحيح مسلم 4/ 2013، رقم 2607، بَاب قُبْحِ الْكَذِبِ وَحُسْنِ الصِّدْقِ وَفَضْلِهِ.
(4) صحيح مسلم ج 1/ص 102، رقم 106،بَاب بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ وَتَنْفِيقِ السِّلْعَةِ بِالْحَلِفِ.
(5) مسند أحمد بن حنبل 3/ 491، رقم 16056، قال الحاكم رحمه الله: (( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ).المستدرك على الصحيحين 2/ 12، رقم 2157.