الصفحة 20 من 58

جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يُشْهِدُهُ على أنَّهُ أعطى أحدَ أبنائِهِ، فقالَ لهُ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أَكُلُّ أولادِكَ أعطيتَهُم مثلَ ابنِكَ هذا)، فقالَ الرجلُ: لا، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ (أتُشْهِدُنِي على مُنكَرٍ؟!) وما الذي جعلَ إخوةَ يوسُفَ عليهِ السلامُ، ينتقمونَ مِنْ أخيهِمْ يوسُفَ، بإلقائِهِ في غيَابَتِ الجُبِّ، إلاَّ لمَّا رأو مِنْ عظيمِ ميلِ أبيهِم إليهِ، فإياكَ أيُّها المسلمُ، أنْ تعدِلَ عَنْ العدلِ، وأنْ تميلَ عن القسطِ، كُنْ عادِلًا في كلِّ شيءٍ، ولو جَهَدَكَ هذا الأمرُ.

يقول الله -سبحانه وتعالى- في كتابه العظيم: [وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ] [1] .

يخبرنا الله في هذه الآية عن الميزان العدل، الذي توزن به أعمال العباد يوم القيامة، والميزان حق، ونؤمن به، ونستيقن بوجوده وثبوته، ومن كذّب به فهو قطعًا مكذِّبٌ للقرآن ولسنة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، حيث جاء في الحديث وصف الميزان بأن له لسانًا وكِفتين، وهذا يدل على أنه ميزان حقيقي حسي مشاهد، وليس المقصود به -كما يقول بعض الضُّلال- العدل والمساواة لا الحقيقة، فهذا تأويل فاسد غير صحيح، والصحيح الذي عليه منهج أهل السنة والجماعة أنه ميزان حقيقي، ولكن لا يعلم كيفيته وطبيعته وحقيقته إلا الله -سبحانه وتعالى-. ويكون الميزان بعد انقضاء الحساب؛ لأن الحساب يكون لتقدير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها، ولذلك يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوزنهما، فإذا رأته الملائكة قالت: يا رب: لمن يزن هذا؟! قال: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك". [2]

فهذا حديث عظيم، يدل على عظمة الميزان وسعته، فلو وزنت فيه السماوات والأرض لوزنها، بل حينما رأته الملائكة وقفت وتساءلت، فقالت: يا رب: لمن يزن هذا؟! فيقول الله: لمن شئت من خلقي، فتعترف الملائكة بضعفها وتقصيرها فيقولون:"سبحانك ما عبدناك حق عبادتك".

إنَّ العدلَ والقسط مطلوبٌ منَ الناسِ جميعًا، منَ الحاكمِ معَ رعيتِهِ، ومنَ الرعيةِ معَ وليِّها، ومنَ المديرِ مع موظفيهِ، ومنَ الرئيسِ معَ مرؤوسيهِ، ومنَ المعلِّمِ مع طلابهِ، ومنَ الزوجِ معَ زوجاتِهِ، ومنَ الأبِ والأمِّ معَ الأولادِ، ومنَ المسلمِ معَ أهلِ بيتِهِ وجيرانِهِ وقرابتِهِ، ومعَ مَنْ حولَهُ منَ المسلمينَ، والعدلُ كذلكَ

(1) سورة الأنبياء (الآية 47) .

(2) السلسلة الصحيحة (941) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت