اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ"، ثُمَّ قَالَ:"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمْ تَحَابَبْتُمْ؟ قَالُوا: مَا هُوَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ" [1] .
إن ديننا دين عظيم، يتشوّف إلى الصلح، ويسعى له، وينادي إليه، ويحبّب لعباده درجته, وإلى جانب كلِّ هذا الدَّور التَّربويّ الَّذي يقوم به الأنبياء والمصلحون، كان التَّأكيد من الله على ضرورة تدخّلهم المباشر كإطفائيِّين في المجتمع، يعملون على تقريب وجهات النَّظر، ويمنعون تحوّل الاختلاف إلى ضغائن وأحقاد، وهذا ما دعوا إليه، كما جاء عن الله -سبحانه- عندما قال: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) [2] . وهذه المسؤوليّة تحملها العلماء وقاموا بها عندما شكّلوا عبر تاريخهم دور المصلحين بين العشائر والقبائل، وبين أهل الخلافات الاجتماعية والاقتصادية، وسعوا لحلِّ الخلافات العائليَّة، وصاروا مقصدًا لكلّ من استعصت عليهم الحلول.
فأين الراغبون في هذه التجارة الرابحة؟ وقد أباحَ الإسلامُ استعمالَ الكذبِ في الإصلاح بين الناسِ؛ لأن الكذبَ لا يأتي إلا بشرٍّ؛ ولكن لما كان الإصلاحِ بينَ الناسِ هدفهُ الخير أباحه. فلقد بلغت العناية بالصلح بين المسلمين إلى أنه رُخِّص فيه بالكذب مع قباحته وشناعته وشدة تحريمه، عن أُم كلثوم -رضي الله عنه-ا أنها سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:"ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرًا، أو يقول خيرًا" [3] .، أي يبلغ خيرًا. قال العلماء:"المراد هنا أنه يخبر بما علمه من الخير، ويسكت عما علمه من الشر، ولا يكون ذلك كذبًا؛ لأن الكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به". لذلك فإن الإصلاح مصدر الطمأنينة والهدوء ومبعث الاستقرار والأمن، وينبوع الألفة والمحبة. ولقد أقضت مضاجع القضاة القضايا، وامتلأت كثيرًا من السجون بالبلايا، ناهيك بما في مراكز الشرطة وأسِرَّة المشافي من المآسي. بل إن مشكلات الأمة الكبرى في الصومال وأفغانستان، ومواقع من ديار المسلمين أخرى تحتاج كل الحاجة إلى الصالحين المصلحين. ألا ينبري خيرون بمساعي حميدة هنا وهناك ليطفئوا نار الفتن وينزعوا فتيل اللهب؟!
وعن أبي إدريس الخولاني قال: سمعت أبا الدرداء يحلف، والله ما سمعته يحلف قبلها! ما عمل آدمي
(1) الترمذي: 2510.
(2) سورة النّساء: الآية (35)
(3) البخاري (2692)