سبب نزول هذه الآية:
1 -قال الواحدي: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليجمع الصدقات، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع القوم تلقوه تعظيمًا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فحدّثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم، فرجع من الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من حق الله تعالى فبدا له في الرجوع، فخشينا أن يكون إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك بغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ من غضب الله وغضب رسوله [1] فأنزل الله [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ] الآية.
يخاطب القرآن الكريم الرسول صلى الله عليه وسلم والأمة فيما بعد بضرورة التثبت من خبر الفاسق الكاذب، ليتعرفوا على الحق من الباطل، وليقفوا على حقائق الأمور قبل الوقوع في الأخطار، فكم فرق الكذب بين الأصدقاء! وكم سفك من الدماء! وكم كان التسرع في الحكم مدعاة لشن الحروب والغارات، وإثارة الفتن، فتبينوا كراهة أن تصيبوا قومًا بخطأ فتصبحوا نادمين على ما فعلتم، فلو أن الرسول صلى الله عليه وسلم عمل بقول الوليد بن عقبة لغزا بني المصطلق، وسفك الدماء، وأخذ الأموال بغير حق، فالله يرشد عباده إلى هذا الأدب، ويحذرهم من العمل بالخبر قبل الكشف عنه والتثبت منه [2] . كثير من الناس يتصور أن التثبت من صحة الخبر يتعلق بعدالة من رواه، فإذا روى الخبر ثقة سرعان ما يقطع أُولَئِكَ بصحة الخبر والجزم به، ومن ثم القيام بما يستدعيه ذلك الخبر.
ولذلك عندما تناقش أحد هؤلاء في خبر رواه سرعان ما يقول لك: حدثني فيه الثقة، يقول هذا، وكأن الأمر يجب ان ينتهي عند هذا الحد [3] إن من يتأمل في واقع الناس اليوم، وينظر في الكم الهائل من الأخبار التي نسمعها في كل يوم، ويرى الاختلاف والتباين بين مصادر هذه الأخبار، يدرك عظمة هذا الدين، وسمو هذا المنهج الذي دعا إليه الإسلام، وأمر به القرآن، وحفظته السنة، وحفظت به السنة.
ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة، ولم يبق مجال
(1) أسباب النزول - الواحدي - ص 261.
(2) التفسير الواضح - ج 3 ص 58.
(3) الأصل هو قبول خبر العدل، وهذا ما يدل عليه مفهوم المخالفة في الآية كما قال الشيخ الشنقيطي، وهو ما قرره العلماء، ولكن بعض الأخبار تحتاج إلى مزيد تثبت وتبين، وهذا ليس ردا للخبر الثقة، كما أن الشهادة كذلك، انظر: أضواء البيان 7 - 127.