{وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} تهديد لهم على المجازاة بأعمالهم. [1]
ويقول سيد قطب-رحمه الله-وفي السورة مباهلة مع اليهود، بدعوتهم إلى تمني الموت للمبطلين من الفريقين وذلك ردًا على دعواهم أنهم أولياء الله من دون الناس، وأنهم شعب الله المختار، وأن بعثة الرسول في غيرهم لا تكون! كما كانوا يدعون! مع جزم القرآن بأنهم لن يقبلوا هذه المباهلة التي دعوا إليها فنكلوا عنها لشعورهم ببطلان دعواهم. [2]
لقد كان اليهود يزعمون أنهم شعب الله المختار، وأنهم وحدهم الفائزون بمغفرة الله ورضوانه، وأنهم ليس لغيرهم من الأمم في الآخرة عند الله نصيب، كما في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (سورة البقرة، آية رقم: 111.)
وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (سورة البقرة، آية رقم: 80.) وقد نقض الله تعالى تلك الدعاوى الباطلة بقوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} (سورة البقرة، آية رقم: 94 ـ 96.) [3] فكانت المباهلة بالموت لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت. فامتنعت اليهود من إجابة النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى ذلك لعلمها أنها إن تمنت الموت هلكت فذهبت دنياها وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها. [4]
اعلم زادك الله علمان أن مسلك المباهلة في مجادلة المشركين المبطلين الذين يتكبرون عن قبول الحق، ويصرون على باطلهم وضلالهم مع قيام الحجة عليهم، وظهور الحق لهم مسلك قراني؛ حيث أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يباهل نصارى نجران حينما جادلوه في أمر عيسى - عليه السلام
(1) - تفسير السعدي [ص 59]
(2) - في ظلال القرآن [7/ 200]
(3) - انظر أصناف المدعوين وكيفية دعوتهم، د. حمود بن أحمد الرحيلي، [ط 1، 1414 هـ الرياض، دار العاصمة] ص: 44 ـ 45. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير القرشي الدمشقي، د. ط، د. ت [الرياض، مكتبة الرياض الحديثة] 1/ 220.
(4) -جامع البيان في تفسير القرآن، 1/ 336.