وإنما جمع في الملاعنة الأبناء والنساء: لأنه لما ظهرت مكابرتهم في الحق وحب الدنيا، علم أن من هذه صفته يكون أهله ونساؤه أحب إليه من الحق كما قال شعيب «أرهطي أعز عليكم من الله» وأنه يخشى سوء العيش، وفقدان الأهل، ولا يخشى عذاب الآخرة [1] .
وفي ذكر الحكمة من ضم الأبناء والنساء في المباهلة يقول الزمخشري (ت 538 هـ) في تفسيره الكشاف: فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟
قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة.
وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل.
ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب، ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق. وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها [2]
وفي سبب تقديم الأبناء والنساء على النفس قال ابن عجيبة (ت 1224 هـ) في تفسيره البحر المديد في تفسير القرآن المجيد: {ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} "... وإنما قدَّمهم على النفس؛ لأن الرجل يخاطر بنفسه دونهم، فكان تقديمهم أبلغ في الابتهال".) [3]
اعلم علمني الله وإياك: أن في مباهلة النبي-صلى الله عليه وسلم - لوفد نجران من الحكم والدروس التي ينبغي علينا أن نقف عليها ليزداد الذين امنوا إيمانا وتزول الشبة والشكوك عن أهل الزيغ والهوى وهاك طرفا منها:
1 -إتيان النبي صلى الله عليه وسلم بعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم عند المباهلة ثابت بالأحاديث الصحيحة.
(1) - التحرير والتنوير [3/ 265]
(2) - الكشاف [1/ 283]
(3) - البحر المديد ـ ط دار الكتب العلمية [1/ 438]