الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم في النار ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا» [1] .
فكيف لرجل كاذب أن يقحم نفسه في هذه المذلة، ويرضى أن يكون ملعونا بلعنة الله، مطرودا من رحمته مستوجبا الهلاك ومستعجلا انتقام الله منه، إلا إن كان صادقا، عالما من صدق نفسه، واثقا بمن أرسله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس -رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ] (آل عمران: 59} ، وذلك أن رهطًا من أهل نجران قدموا على محمد صلى الله عليه وسلم، وكان فيهم السيد والعاقب، فقالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ فقال: من هو؟
قالوا: عيسى؛ تزعم أنه عبد الله، فقال محمد صلى الله عليه وسلم: أجلْ! إنه عبد الله.
قالوا: فهل رأيت مثل عيسى أو أنبئتَ به؟ ثم خرجوا من عنده، فجاء جبريل صلى الله عليه وسلم بأمر ربنا السميع العليم، فقال: قل لهم إذا أتوك: [إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ] (آل عمران: 59) إلى آخر الآية [2] ..
وكان وفودهم على النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة من الهجرة، كما ذكر ابن كثير [3] .
قال العلماء: وفي هذه الآيات دحض لشبه النصارى في أن عيسى إله أو ابن الإله كما أنها من أعلام نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لما دعاهم إلى المباهلة أبوا ورضوا بالجزية بعد أن أعلمهم كبيرهم العاقب: أنهم إن باهلوه اضطرم عليهم الوادي نارا ولم يبق نصراني ولا نصرانية إلى يوم القيامة ولولا أنهم عرفوا يقينا أنه نبي ما الذي كان يمنعهم من المباهلة؟ فلما أحجموا وامتنعوا عنها دل على أنهم قد كانوا عرفوا صحة نبوته صلى الله عليه وسلم بالدلائل المعجزات وبما وجدوا من نعته في كتب الأنبياء المتقدمين [4] .
(1) - أخرجه الإمام أحمد (2226) بإسناد على شرط البخاري، وأخرج البخاري الجزء الأول من الحديث إلى قوله (لأخذته الملائكة عيانا) (كتاب التفسير، باب قوله(كلا لئن لم ينته لنسفعا .. ) ،رقم:4958).
(2) - تفسير ابن جرير الطبري، 3/ 293، وانظر: لباب النقول في أسباب النزول، للسيوطي، ص 76.
(3) - انظر: تفسير ابن كثير، 1/ 378
(4) - تفسير القرطبي 4/ 102، 104، وأحكام القرآن للجصاص 2/ 14، وأحكام القرآن لابن العربي 1/ 360. والحديث أورده السيوطي في الدر المنثور (2/ 229) بلفظ مقارب وعزاه إلى ابن سعد وعبد بن حميد من حديث الأزرق بن قيس مرسلا.