الصفحة 15 من 45

قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما لله ولدا، وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير» . قالا: فمن أبوه يا محمد؟

فصمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -عنهما فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، فلما أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم -الخبر من الله والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم، أن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، ثم انصرفوا عنه ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟

فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدًا لنبيُّ مرسلُُ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم أبيتم إلا إلفَ دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا النبي -صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك، ونتركك على دينك ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا، فإنكم عندنا رضا فدعى أبا عبيدة فقال: «اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه» [1] .

عن حذيفة - رضي الله عنه -قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه [2]

قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعنا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا قالا إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا أمينا فقال لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قم يا أبا عبيدة بن الجراح فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أمين هذه الأمة [3] .

عن عكرمة عن بن عباس-رضي الله عنه -قال: قال أبو جهل: لئن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه قال فقال لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ولو أن اليهود تمنوا

(1) -تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/ 368)

(2) - يعني بعد أن دعاهما النبي (صلى الله عليه وسلم) لذلك، كما تبين من سبب النزول والأحاديث الأخرى. وانظر فتح الباري (7/ 696) .

(3) -متفق عليه (البخاري: كتاب المغازي، باب قصة أهل نجران، رقم:4119، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي عبيدة، رقم:2420) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت