الصفحة 14 من 45

قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيّم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟

قالوا: بلى!

قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئًا؟

قالوا: لا، قال: فإن ربنا صوَّر عيسى في الرحم كيف شاء، وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يُحدِث، قالوا: بلى!

قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويُحدِث؟

قالوا: بلى! قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟

فسكتوا، فأنزل الله عز وجل فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضعة وثمانين آية منها [1] ..

قال ابن كثير -رحمه الله-: (وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران: أن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صدر في هذه السورة ردا عليهم، كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يسار وغيره، وقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد نصارى نجران ستون راكبا، وأمر هؤلاء يؤول إلى ثلاثة منهم؛ وهم العاقب وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد وكان عالمهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم، وأبو حارثه بن علقمة وكان أسقفهم صاحب مدارستهم، وكان رجلا من العرب من بني بكر بن وائل، ولكنه تنصر فعظمته الروم وملوكها، وشرفوه وبنوا له الكنائس، وأخدموه لما يعلمونه من صلابته في دينهم، وقد كان يعرف أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصفته وشأنه مما علمه من الكتب المتقدمة، ولكن حمله ذلك على الاستمرار في النصرانية؛ لما يرى من تعظيمه فيها وجاهه عند أهلها.

قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، فكلم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، والسيد الأيهم وهم من النصرانية على دين الملك، فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أسلما» . قالا: قد أسلمنا. قال: «إنكما لم تسلما، فأسلما» .

(1) - أسباب النزول للواحدي، ص 83، وقد ذكرها ابن كثير عن ابن إسحاق مطولة جدًا، انظر: تفسير ابن كثير، 1/ 376، وانظر: سيرة ابن هشام، 1/ 573.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت