4 -أن تكون بعد إقامة الحجة على المخالف، وإظهار الحق له بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة؛ فإذا أصر على رأيه وبقي على ضلاله وعناده، ولم يقبل الحق، ولم تُجْدِ معه المحاورة والمناقشة؛ فعند ذلك يأتي دور المباهلة، وتقدم
قول ابن القيم -رحمه الله:"إن السنة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم"
حجة الله، ولم يرجعوا بل أصروا على العناد أن يدعوهم إلى المباهلة" [1] ."
وبهذا يتبين خطأ من يلجأ إلى المباهلة بسبب ضعف أدلته وانقطاع حجته، وعدم قدرته على إقناع خصمه وتفنيد أدلته والرد على شبهته، وأن هذا المنهج خلاف ما جاء في الكتاب والسنة.
5 -أن تكون المباهلة في أمر مهم من أمور الدين، ويرجى في إقامتها حصول مصلحة للإسلام والمسلمين، أو دفع مفسدة كذلك.
قال الدواني [2] : إنها (أي المباهلة) لا تجوز إلا في أمر مهم شرعًا وقع
فيه اشتباه وعناد لا يفسر دفعه إلا بالمباهلة، فيشترط كونها بعد إقامة الحجة، والسعي في إزالة الشبهة وتقديم النصح والإنذار، وعدم نفع ذلك، ومساس الضرورة إليها « [3] .، فلا ينبغي أن يدعو الإنسان إليها في كل مسألة يقع فيها الخلاف، ويسوغ فيها الاجتهاد كما يفعل بعض الجهال، وتأمل قول الله تعالى: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ] (آل عمران: 61) } ؛ أفرأيت من ذهب إلى رأي ظهرت له قوته، وبانت له رجاحته معتمدًا على أدلة ثبتت عنده صحتها، وبدت له صراحتها، هل يعد كاذبًا مبطلًا ظالمًا تجب مباهلته والقضاء عليه وملاعنته؟!
وأما ما ورد عن ابن عباس وابن مسعود والأوزاعي من دعوتهم للمباهلة في مسائل الفروع؛ فقد سألت- إبراهيم بن صالح الحميضي- فضيلة الشيخ محمد العثيمين - رحمه الله تعالى - عن ذلك فقال: إنه اجتهاد منهم رضي الله عنهم.
عاقبة المباهلة:
اعلم علمني الله وإياك: أن المباهل يطلب من الله تعالى أن يلعنه ويصيبه بعذاب أليم إن لم يكن صادقا في دعواه وفيما يخالف فيه خصمه، و اقتضت سنة الله تعالى أن يُعلي دينه ويُظهر الحق ويُزهق الباطل وأن تكون كلمته- سبحانه - هي العليا، لذا ذكر العلماء بان عاقبة المباهلة وقعة بالمبطل لا محالة يقول ابن
(1) -- جامع العلوم والحكم: ص 308.
(2) - هو العلامة محمد بن أسعد الصديقي الدواني الشافعي، عالم العجم بأرض فارس، فاق في جميع العلوم لا سيما العقلية، وله مصنفات كثيرة، مات سنة 918 هـ، انظر: الأعلام، 6/ 32، ومعجم المؤلفين، 9/ 47.
(3) - الفتوحات الإلهية، 1/ 326