يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ) [1] .
قال وهب بن منبه ـ رحمه اللّه ـ: «من سره أن يستجيب الله دعوته فليطب طعمته» .
و يقول ابن رجب - رحمه الله: إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبًا طاهرًا من المفسدات كلها: كالرياء، والعجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيبًا حلالًا، فإن الطيب توصف به الأعمال، والأقوال، والاعتقادات، والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات والابتعاد عن الخبائث والمحرمات، ثم ذكر في آخر الحديث استبعاد قبول الدعاء مع التوسع في المحرمات: أكلًا، وشربًا، ولبسًا، وتغذيةً.
ولهذا كان الصحابة والصالحون يحرصون أشد الحرص على أن يأكلوا من الحلال ويبتعدوا عن الحرام، فعن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان لأبي بكر غلامٌ يُخرج له الخراجَ وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يومًا بشيء فأكله أبو بكر فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنتُ تكهَّنتُ لإنسانٍ في الجاهلية وما أُحسِنُ الكِهانةَ إلا أني خَدعتُهُ فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه، فأدخل أبو بكر يده فقاءَ كلَّ شيء في بطنه" [2] .
ففي حديث الباب أن هذا الرجل الذي قد توسع في أكل الحرام قد أتى بأربعة أسباب من أسباب الإجابة: الأول: إطالة السفر،
والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"ربَّ أشْعَثَ [3] مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره [4] ."
والثالث: يمد يديه إلى السماء"إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين [5] ."
والرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء ومع ذلك كله قال صلى الله عليه وسلم:"فأنى يستجاب لذلك"وهذا استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد [6] .
(1) - أخرجه مسلم في كتاب الزكاة برقم (1015) .
(2) - أخرجه البخاري برقم 3842، مع الفتح 7/ 149.
(3) - الأشعث: الملبد الشعر المغبر غير مدهون ولا مرجل.
(4) - مسلم برقم 2622.
(5) - أبو داود 2/ 78 برقم 1488، والترمذي 5/ 557، وابن ماجه 2/ 1271، والبغوي في شرح السنة 5/ 185، وصححه الألباني في صحيح الترمذي 3/ 179 وصحيح ابن ماجه برقم 3865.
(6) - جامع العلوم والحكم 1/ 269، 275 و 1/ 269 - 275.