محلها مفاهيم جديدة تماما انطلاقا من جاليلو. صحيح أن ابن خلدون قد اعتمد الاستقراء، ولكن لا لاستخلاص النتائج، بل لتأييد النتائج التي يضعها أولا: هناك ملاحظات جزئية يصوغها ابن خلدون في صورة حكم عام يضعه أولا، والغالب ما يكون ذلك عنوانا لفصل، ثم تأتي بعد ذلك استقراءات جزئية أخرى تحاول أن تبرهن على صحة ذلك الحكم العام. إن الأمر يتعلق إذأً بالقياس الأصولي (قياس الغائب على الشاهد، قياس الجزء على الجزء) الذي كان الطريقة الاستدلالية السائدة في مختلف العلوم العربية الإسلامية. والشيء الجديد عند ابن خلدون هوصياغته لهذا القياس في صورة براهين هندسية أضفت عليه طابعا استنباطيا شكليا. ذلك ما جعل منهج ابن خلدون يبدوفي الظاهر تجريبيا استقرائيا وهندسيا استنباطيا ولكن دون أن يفي بشروط أي منهما.
هذا المنهج الاستقرائي التاريخي- الاستنباطي التجريبي قد أدخل كثيرا من التشويش وغير قليل من الغموض على الخطاب الخلدوني، وجعله لايعطي ما فيه مباشرة بل يقدم نفسه للتأويل منذ الوهلة الأولى. ومن هنا كانت آراء ابن خلدون هي دوما تأويلات يحتملها النص الخلدوني ويقبلها حتى ولوكانت متباينة متناقضة. إن الجانب الاستقرائي التجريبي في منهج ابن خلدون قد أفقد الصياغة الاستنباطية التي اعتمدها تماسكها وفكك جانب الشمول والعموم فيها، مثلما أن الصياغة الهندسية في نفس المنهج قد عملت هي الأخرى على تجميد الحياة في الجانب الاستقرائي فيه وتحميله مالايطيق. [1] ""
(1) - محمد عابد الجابري: نحن والتراث، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الخامسة 1986 م، ص: 319 - 320.