الصفحة 55 من 68

خلدون، بل من قبله كذلك، دول كبيرة واسعة الملك قوية البنيان طويلة الأمد بدون أن يكون للعصبية ولا للدين دخل في نشأتها ولافي بقائها. وتكونت من بعده، بل من قبله كذلك، دول كثيرة لم تسر في الأدوار التي ظن أن المرور بها ضربة لازب لجميع الدول، وعاشت أضعاف المدة التي ذكر أن الدولة لاتتجاوزها في الغالب.

صحيح أن الاستقراء الكامل متعذر ... ولكن يجب أن تكون الظاهرات المدروسة ممثلة لماعداها حتى يستطاع استخلاص قانون عام. وهذا ما لم يفعله ابن خلدون، فقد درس ظاهرات لاتمثل إلا أوضاعا خاصة من شؤون الاجتماع الإنساني." [1] "

وقد بالغ ابن خلدون كثيرا حينما ربط أحوال المجتمع الإنساني بالتغيرات المناخية والبيئة الجغرافية. بمعنى أن لماهوبيئي وجغرافي ومناخي أثرا كبيرا في طبائع التجمع الإنساني وأحواله إيجابا وسلبا. و"إلى مثل هذا، بل إلى أبعد منه، ذهب جماعة في العصور الحديثة على رأسهم مونتيسكيو (1689 - 1755 م) في كتابه الشهير (روح القوانين/ L'esprit des lois) . فقد بالغ في آثار البيئة الجغرافية في أحوال العمران والتقاليد والعادات، ومستوى الحضارة، وشكل الحكومة، ونظم السياسة والاقتصاد والحرب والأخلاق، ومبلغ تكاتف السكان وتخلخلهم، ومدى ما ينعم به الشعب من حرية واستقلال أويعانيه من تبعية وخضوع، ونسب إلى هذه البيئة الفضل في نشأة النزعات الديمقراطية في التشريع ورسوخها في نفوس الأفراد، كما حملها الوزر في إشاعة نظام الطبقات ونظم الاستعباد والتبعية بمختلف مظاهرها، سواء في ذلك استعباد الشعوب"

(1) - علي عبد الواحد وافي: نفسه، ص: 86 - 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت