القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية [1] والشافعية [2] والحنابلة [3] ، إلى القول بجواز تقديم كفارة اليمين قبل الحنث، إلا أن الشافعي استثنى الصيام فقال: لا يجزئ قبل الحنث.
القول الثاني: ذهب الحنفية إلى عدم جواز التعجيل بالكفارة قبل الحنث باعتبار أن سبب كفارة اليمين هو الحنث.
ومن أدلة أصحاب القول الأول:
القرآن الكريم:
1 -قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) (التحريم:1، 2) .
وجه الدلالة: أن الكفارة قبل الحنث تحلة، لأن التحلة لا تكون بعد الحنث، فإنه بالحنث تنحل اليمين، وإنما تكون التحلة إذا أخرجت قبل الحنث لتنحل اليمين، وإنما هي بعد الحنث كفارة، لأنها كفرت ما في الحنث من سبب الإثم لنقض عهد الله فدلت الآية على جواز إخراج الكفارة قبل الحنث [4] .
2 -قوله تعالى: (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) (المائدة:89)
وجه الدلالة: أن اليمين سبب الكفارة، لإضافة الكفارة إلى اليمين، ويجوز تقديم العبادة بعد سبب وجوبها، كالزكاة يجوز تقديمها قبل تمام الحول بعد اكتمال النصاب، وكفارة الإحرام يجوز تقديمها بعد العذر وقبل فعل المحظور [5] .
السنة النبوية:
1 -ما رواه البخاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (فَقَالَ مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ بَلْ اللَّهُ حَمَلَكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي) [6] .
وجه الدلالة: بأنه ورد ما يدل على تقديم الكفارة، فروى أبو موسى مرفوعا ً:"إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها"فالكفارة ما بعد الحنث، وما قبل الحنث تحلة لليمين [7] .
(1) - انظر: ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عاصم النمري القرطبي ت (463 هـ) ، الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، المحقق: محمد محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني، الناشر: مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة 2 1400 هـ/1980 م، 1/ 454.ابن رشد، بداية المجتهد، 1/ 420.
(2) - الماوردي، الحاوي، 15/ 219. النووي، روضة الطالبين، 8/ 61.
(3) - ابن ضويان، إبراهيم بن محمد بن سالم ت (1353 هـ) ، منار السبيل في شرح الدليل، المحقق: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي، الطبعة 7 (1409 هـ-1989 م) ، 2/ 439.
(4) - انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى 35/ 252.
(5) - انظر: قواعد ابن رجب الحنبلي ص 6.
(6) - البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة، الطبعة 1 (1422 ه) ، كتاب الأيمان والنذور، رقم الحديث (6718) ، 8/ 146.
(7) - ابن تيمية، مجموع الفتاوى 35/ 251.