المبحث الثالث
مسائل فقهية دالة على التعجيل
لتوضيح التعجيل باعتبار دلالته الأصولية و الفقهية، لا بد من عرض عدد من مسائله في الفقه، و لتوضيح ما توصلنا إليه في المباحث السابقة، فنقسم المبحث بمطلبين:
المطلب الأول: مسألة فقهية في التعجيل الكامل:
توسع الفقهاء في مسائل التعجيل الكامل، ومنها (مسألة التعجيل بأداء الزكاة عند ملك النصاب وحولان الحول) ، وصورة المسألة أن الزكاة تعد مكتملة الأركان والشروط عند وجود سبب وجوبها وهو ملك النصاب وحولان الحول عليها شرط لوجوبها، وعليه اكتملت صورة الواجب فما حكم إخراج الزكاة فورًا، فقد اختلف الفقهاء في حكمها على قولين:
القول الأول: وجوب التعجيل في الزكاة حال وجوبها:
وهو مذهب جمهور فقهاء المالكية [1] و الشافعية [2] والحنابلة [3] وقول محمد والكرخي من الحنفية [4] :إلى أن الزكاة متى وجبت، وجبت المبادرة بإخراجها على الفور، مع القدرة على ذلك وعدم الخشية من ضرر [5] .
القول الثاني: عدم وجوب التعجيل بالزكاة حال وجوبها:
وهو قول عامة الحنفية [6] .
واحتج أصحاب القول الأول بما يأتي:
1 -القرآن الكريم: قوله تعالى: (وَآَتُوا الزَّكَاةَ) (البقرة: 43) .
وجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بإيتاء الزكاة، ومتى تحقق وجوبها توجه الأمر على المكلف بها، والأمر المطلق يقتضي الفور، وإن كان مطلقًا لا يفيد إلا مجرد الطلب ولكن هنا قرينة تدل على الفورية؛ فالمقصد من الزكاة أنها شرعت لدفع حاجة الفقير، فلو لم نقل بالفورية لم يتحصل المقصد [7] .
(1) - انظر: الشنقيطي، سيدي عبدالله بن إبراهيم العلوي، نشر البنود على مراقي السعود، الناشر: طبع المغرب، 1/ 151.
(2) - انظر: الأسنوي، نهاية السؤل شرح منهاج الوصول، الناشر: محمد علي صبيح - القاهرة، 2/ 47.
(3) - انظر: ابن قدامة، المغني، 2/ 510.
(4) -انظر: السمرقندي، تحفة الفقهاء، 1/ 263. الكاساني، بدائع الصنائع، 3/ 377.
(5) - ملحظ: بيّن المالكية: أن الحاضر يجب عليه أن يخرج زكاة ما حضر من ماله وما غاب دون تأخير مطلقا، ولو دعت الضرورة لصرف ما حضر، بخلاف المسافر فله التأخير إن دعته الضرورة أو الحاجة لصرف ما معه في نفقته.
ومما ذكره الشافعية من الأعذار: أن يكون المال غائبا فيمهل إلى مضي زمن يمكن فيه إحضاره، وأن يكون بإخراجها أمر مهم ديني أو دنيوي، وأن ينتظر بإخراجها صالحا أو جارا.
ومما ذكره الحنابلة: أن يكون عليه مضرة في تعجيل الإخراج، مثل من يحول عليه الحول قبل مجيء الساعي، ويخشى إن أخرجها بنفسه أخذها الساعي منه مرة أخرى. وكذا إن خشي في إخراجها ضررا في نفسه أو مال له سواها، لأن مثل ذلك يجوز تأخير دين الآدمي لأجله، فدين الله أولى. انظر: ابن قدامة، المغني 2/ 684، الدردير، الشرح الكبير 1/ 500، 504، الأسنوي، نهاية السؤل شرح منهاج الوصول، 2/ 47.
(6) - انظر: السمرقندي، تحفة الفقهاء، 1/ 263. الكاساني، بدائع الصنائع، 3/ 377.
(7) - انظر: النووي، يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذب، الناشر: مكتبة الرشد- جدة، 5/ 286، الزنجاني، تخريج الفروع على الأصول، ص 109.