أدلة القول الثاني:
1 -أن كل سببٍ مستقل ٍ على حدة فلا يربط بغيره لاعتبار أن السبب يلزم من وجوده وجود الحكم. قال القرافي [1] : (أن الحكم إن كان له سبب بغير شرط فتقدم عليه لا يعتبر أو كان له سببان أو أسباب فتقدم على جميعها لم يعتبر أو على بعضها دون بعض اعتبر بناء على السبب الخاص ولا يضر فقدان بقية الأسباب فإن شأن السبب أن يستقل بثبوت مسببه دون غيره من الأسباب) [2] .
2 -أن الحكم له استناد إلى السبب وهو مركب وقد وجد جزء والآخر في حكم الموجود [3] .
مناقشة الأدلة:
اختلاف أصحاب المذهب الأول القائلين بجواز التعجيل القاصر بتعددِ الأسباب، فهو خلاف لفظي راجع إلى السبب من حيث أن وجوده يلزم منه الحكم ولا يربط السبب بالسبب الآخر للواجب عند تعدده، والأدلة التي ذكرها كلا القولين عقلية اجتهادية ترجع إلى الأصل الذي أخذ به كل قول.
القائلون بالمنع فقد نظروا إلى الواجب بأنه غير مكتمل عند تخلف شرطه، وذلك مخالف للأصول العامة عند أصحاب المذهب المانع.
الرأي المختار:
فالواجب لا بد أن تكتمل أسبابه وشروطه في الوجوب، إلا إننا نأخذ بعين الاعتبار المقصد الشرعي من الواجب فإذا تحقق المقصد عند وجود السبب ولم يؤدِ قصور الشرط في الواجب إلى خلل به، فالمختار أن التعجيل القاصر جائز بشرط ِ عدم حدوث خلل وقصور في الواجب بما ينافي المقصد الشرعي له ُ، أما إذا حدث خلل في الواجب فلا يصح أداء الواجب عند قصور شرطه، والله أعلم بالصواب.
وما ذكرناه من أنواع التعجيل المتعلقة بالسبب والشرط إنما كان في دائرة التعجيل الصحيح [4] أما النوع الثالث فتعلق بالباطل من حيث حكمه، فعرّفنا التعجيل الباطل [5] :بأنه أداء الواجب قبل وجود سبب وجوبه وشرطه على خلاف ما أمر الشارع.
(1) - القرافي (626 - 684 هـ) :هو أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن، أبو العباس، شهاب الدين القرافي. أصله من صنهاجة، قبيلة من بربر المغرب. نسبته إلى القرافة وهي المحلة المجاورة لقبر الإمام الشافعي بالقاهرة. فقيه مالكي. مصري المولد والمنشأ والوفاة. انتهت إليه رياسة الفقه على مذهب مالك. من تصانيفه: (( الفروق ) )في القواعد الفقهية؛ و (( الذخيرة ) )في الفقه؛ و (( شرح تنقيح الفصول في الأصول ) )؛ و (( الأحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام ) ) [الأعلام للزركلي؛ الديباج ص 62 - 67؛ شجرة النور ص 188]
(2) - القرافي، أبي العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي ت (684 هـ) ، أنوار البروق في أنواء الفروق ومعه إدرار الشروق على أنواء الفروق لأبي القاسم قاسم بن عبدالله بن الشاط ت (723 هـ) وبحاشيته الكتابين تهذيب الفروق والقواعد السنية على الأسرار الفقهية لمحمد علي بن حسن المكي المالكي، ضبطه: خليل المنصور، الناشر: دار الكتب العلمية - لبنان، ط 1 (1418 هـ - 1998 م) ، 1/ 344 - 345.
(3) - الزركشي، المنثور في القواعد، 198:2.
(4) - ملحظ: الصحيح من العبادات ما أجزأ وأبرأ الذمة وأسقط القضاء فيما فيه قضاء، وذلك بموافقة العبادة لأمر الشارع، بأن تفعل مستجمعة لكل ما تتوقف عليه، والصحيح من المعاملات: ما كان محصلا ً شرعا ً للملك والحل، والمقصود من ملك الأعيان والمنافع بعوض أو بدون عوض. أنظر: الخضري، أصول الفقه، ص 68.
(5) - ملحظ: الباطل من العبادات هو ما لم يجزئ ولم يبرئ الذمة ولم يسقط القضاء وذلك بأن أديت ناقصة بعض الأركان والشروط، كالصلاة تؤدى بدون ركوع أو سجود. أما في المعاملات فمعنى الباطل"عدم حصول فوائدها بها شرعًا من الملك والحل". أنظر: الخضري، محمد بن عفيفي الباجوري ت (1345 هـ) ، أصول الفقه، الناشر: دار ابن حزم- بيروت، ط 1 (1424 هـ -2003 م) ، ص 68 - 69. الربيعة، المانع عند الأصوليين، ص 86 - 87.