تسد به حاج الفقراء، ويمحى به الفقر من المجتمع. كما ذهب إلى ذلك أبو هريرة وابن عباس وابن عمر وأبو ذر وعائشة وفاطمة بنت قيس رضي الله عنهم
وصح عن الشعبي، ومجاهد، وعطاء، وطاووس من التابعين رضي الله عنهم أن في المال حقًا سوى الزكاة، وهذه الأقوال لم تلق تعارضًا فتكون بمثابة إجماع سكوتي على جواز فرض ضريبة مع الزكاة عند عدم كفايتها لسد حاجات الفقراء.
د- وأما ما يستدل به من المعقول:
إن مبدأ التكافل الاجتماعي بين الفرد والمجتمع، والتكامل القائم بينهما وذلك انطلاقًا من قوله عليه الصلاة والسلام:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"، إذ أن الفرد لا يمكنه أن يعيش بغير عون المجتمع له، فهو الذي يؤثر في سلوك الفرد، ويعاونه على التكيف مع الحياة في مختلف مراحلها، ويغذيه باللغة والثقافة والعادات والتقاليد، وقواعد الدين، والمعاملة، وفيه ومن خلاله تكون مكاسبه المادية، والاقتصادية. كذلك فالفرد لا يمكن أن يكسب المال بجهده وحده، بل تشاركه في كسبه جهود وأفكار، وأيد كثيرة، فالفلاح مثلًا كيف يجمع ماله ويحقق مكسبه لولا جهد المجتمع الذي شق له القنوات، ونظم له الري والصرف، وصنع له أدوات الحراثة والزراعة، وهيأ له الأمن والاستقرار؟ وهكذا الصانع، والموظف.
ومن أجل هذا فإن المال الذي يحوزه الفرد، وينسب إليه، هو بمثابة مال الجماعة أيضًا، ينسب إليها ويجب عليها، أن تحافظ عليه وقد قال تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا) [1]
وقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا) ، ويتبين من الآيات الكريمة أن الله تعالى أضاف الأموال فيها إلى جميع المخاطبين، فلم يقل، لا يأكل بعضكم مال بعض، بل قال تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) لينبه على أن المجتمع المسلم وحدة متضامنة في كل أمورها.
يقول الشيخ رشيد رضا في تفسير الآية"ذلك بأن الإسلام يجعل مال كل فرد من أفراد المتبعين له مالًا لأمته كلها، مع احترام الحيازة والملكية، وحفظ حقوقها. فهو يوجب على كل ذي مال كثير حقوقًا معينة لصالح العامة، كما يوجب عليه وعلى صاحب المال القليل حقوقًا أخرى لذوي الاضطرار من الأمة، ويحث فوق ذلك على البر والإحسان."
إن هذه القاعدة توجد أسس المصلحة المشتركة بين الدولة والأفراد، إذ لا بقاء لأحدهما دون الآخر، وفي نفس الوقت تقوم أسس هذه المصلحة المشتركة على العلاقة التبادلية في الحقوق والواجبات، فالرعية تستمد وجودها من وجود
(1) - النساء الآية