ويستفاد هذا المعنى من فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما وضع الضريبة على أهل الذمة على الغني 48 درهمًا تدفع أقساطًا شهرية وعلى متوسطي الحال 24 درهمًا وعلى الفقراء 12 درهمًا تدفع أقساطًا درهم واحد شهريًا. [1]
وكذلك عندما انقص سعر الضريبة من عشرة في المائة 10% إلى 5% لاعتبار اقتصادي هام حين أخذ من النبط [2] من الزيت والحنطة نصف العشر لكي يكثروا الحمل منها إلى المدينة المنورة، لحاجتها إليه في حين أنه كان يأخذ من القطنية العشر.
ومما يؤكد ذلك ما كتبه الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى أحد عماله يوصيه فيه بالعدل والرحمة في أخذ الخراج من أهل الكوفة قوله"سلام عليك. أما بعد فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور من أحكام، وسنن خبيثة سنتها عليهم عمال السوء، وأن أقوم الدين العدل والإحسان فلا يكونن من شيء أهم إليك من نفسك أن توطئها لطاعة الله فإنه لا قليل مع الإثم وأمرتك أن تطرز عليم أرضهم وأن لا تحمل خرابًا على عامر، ولا عامر على خراب ولا تأخذ من الخراب إلا ما يطيق ولا من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض". ويؤكد أبو يوسف على ضرورة الأخذ بالعدل لأن في العدل زيادة الخراج وعمارة البلاد فيقول"إن العدل وإنصاف المظلوم وتجنب الظلم مع ما في ذلك من الأجر يزيد به الخراج وتكثر به عمارة البلاد. والبركة مع العدل تكون وهي تفقد مع الجور."
-رابعا: أن يكون التصرف في جباية المال وإنفاقه على الوجه المشروع:
يجب ان يكون التصرف في الجباية أي يكون فرض الضريبة لإنفاق المال في مصالح الأمة، لا على المعاصي والشهوات والأهواء من قبل السلطة الحاكمة، ولا لتنفق على ترفيه أسرهم وترفههم، ولا لترضية السائرين في ركابهم.
روي أن رجلًا كان بينه وبين عمر بن الخطاب قرابة، فسأله مالًا، فزجره وأخرجه فكلّم فيه فقيل يا أمير المؤمنين، فلان سألك فزجرته وأخرجته، فقال: إنه سألني من مال الله - ويعني من مال جماعة المسلمين - فما معذرتي عند الله إن لقيته ملكًا خائنًا؟ فلما كان بعد ذلك أعطاه من صلب ماله، ولهذا فلابد أن تفرض للدفاع عن الأمة ضد أي عدوان وتحقيق الأمن الداخلي وإشباع الحاجة إلى الخدمات الصحية من علاج ومستشفيات ومصانع أدوية ونحوه، وإشباع الحاجات التعليمية من مدارس ومعلمين ونحوه.
(1) - الشوكاني، نيل الأوطار، 8/ 68. أبو عبيد، الأموال، ص 56. ابن العربي، أحكام القرآن، 2/ 908. د. إبراهيم فؤاد أحمد، الإنفاق في الإسلام، ط 1 1993 م، ص 196
(2) - قوم من الأعراب سكنوا شمال الجزيرة العربية في البتراء وهم الأنباط