خامسا: أن توخذ من فضل المال أو ما يزيد عن حاجة المكلفين الأساسية:
ممن كان عنده من المكلفين فضل عن إشباع حاجاته الأساسية أخذت الضريبة من هذا الفضل ومن كان لا فضل عنده شيء بعد هذا الإشباع للحاجات الأساسية فلا يؤخذ منه شيء، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:"أفضل الصدقة عن ظهر غنى" [1] . والمعيار الموضوعي للغني هو ملك النصاب ممن بلغ النصاب أو زاد فإنه يعتبر غنيًا تؤخذ منه الضريبة.
والحكمة من اشتراط النصاب في الزكاة وغيرها أن الضريبة تؤخذ من مال الأغنياء مواساة للفقراء أو مشاركة في مصلحة الإسلام والمسلمين فلا بد أن تؤخذ من مال يحتمل المواساة. المغنى لا نأخذ من الفقير ضريبة وهو في حاجة أن يعان لا أن يعين.
وفسر بعض فقهاء الحنفية الحاجات الأساسية بقوله: ما يدفع الهلاك عن الإنسان تحقيقًا كالنفقة ودور السكن وآلات الحرب والثياب المحتاج إليها لدفع الحر والبرد.
سادسا: مراعاة الناحية الإنسانية:
فالناحية الانسانية والتي هي سمة من أهم سمات التشريع الإسلامي، والتي تفتقدها التشريعات الوضعية حتى المعاصرة منها، إذ تعتبر الضرائب من الديون الممتازة التي تتقدم على جميع الديون الأخرى وتتخذ السلطات كافة الإجراءات التي تراها للحصول عليها حتى ولو أدى الأمر إلى الحجز على أثاث منزل الممول وبيعه. في حين نرى أن الإسلام ينهى عن استخدام الأساليب التعسفية في التحصيل ويوصي بأفضل الطرق في الجباية وأسهلها عن الممول، حتى لو اقتضى الأمر ترك بعض المال دون أخذه، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أمر سعاته للزكاة أو الخراج في تقدير الخرص للثمار وأن يخففوا على الناس فقال لهم صلى الله عليه وسلم:"إذا خرصتم فجذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع" [2]
كما أن الإسلام يحظر الحجز على الضرورات لاستيفاء الضرائب، بل ويمنع استيفاءها بالقوة، يقول الإمام علي لأحد عماله: إذا قدمت عليهم، فلا تبيعن لهم كسوة شتاء، ولا كسوة صيف، ولا رزقًا يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضرب أحدًا منهم سوطًا واحدًا في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عرضًا في شيء من الخراج، فإنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو.
(1) - صحيح البخاري، كتاب الزكاة، 2/ 248.
(2) - ابن حجر، فتح الباري، 3/ 347. ابن الأثير، جامع الأصول في أحاديث الرسول، 5/ 334 - 335.