والمجتمع الصهيوني في إسرائيل ذو بناء صهيوني في جوهره، فبالرغم من أن إسرئيل تزعم أنها مستقلة نسبيا عن الإيديولوجيا (علمانية الطابع) ، ولكن العلاقة بينها وبين الصهيونية علاقة قوية، وفريدة."فكل مجتمع تقريبا يفرز الإيديولوجية التي تسود فيه وتهيمن عليه، لكن الصهيونية إيديولوجية أنشأت مجتمعا. ومن هنا جاءت السمات الفريدة للمجتمع الإسرائيلي، فقد أنشأت الحركة السياسية شعبا، ولم ينشئ الشعب الحركة السياسية" [1] .
لقد نسج الصهاينة شبكة كثيفة من الرموز والأساطير من التراث الديني اليهودي وأعطوها مضمونا قوميا، فاختلطت المزاعم الدينية بالحياة السياسية، فعلم إسرائيل أبيض وأزرق: أبيض لون شال الصلاة اليهودي، وتتوسطه نجمة داود الزرقاء وهي رمز للملك داود، ويتحدث النشيد الوطني عن عودة اليهودي إلى وطنه (إسرائيل) ، والبرلمان يسمى"الكنيست"وهو اسم ديني قديم بمعنى"مكان الاجتماع"، ويذكرنا بالمعبد اليهودي الذي يطلق عليه"بيت هاكنيست"، فأصبحت إسرائيل شيئا أشبه بالمتحف. والمواطن الإسرائيلي ينظر لفلسطين والشرق الأوسط من منظور الحقوق المطلقة (المقدسة) المستقاة من التوراة والتلمود، التي لا يمكن مخالفتها أو التشكيك فيها [2] .
إن الإسرائيليين الذين يعيشون في فلسطين عادوا من شتاتهم بإيديولوجية صهيونية نشأت في أحياء اليهود في أوروبا، وهم يتلقون المعونات من يهود الشتات، والغريب أن التعصب الإيديولوجي يقتل المشاعر الإنسانية، فبعد أن يقوم الطيار الإسرائيلي بغارة جوية على العرب فإنه يعاني من الكوابيس أثناء نومه، ليس بسبب قتل من قتل من الأطفال العرب أثناء الغارة التي قام بها، ولكن بسبب عذابات الأطفال اليهود في"جيتوات"شرق أوروبا في المذابح التي اُرْتكِبَت في الماضي ضد اليهود [3] .
فالصهيونية حركة عنصرية قومية، لم تقم في أساسها على البعد الديني، ولكنه دخل إلى أدبياتها في مرحلة تالية. فكما تشير الدراسات التاريخية إلى شخصية بنجامين زئيف هرتزل (1860 -
(1) الإيديولوجية الصهيونية: دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة، د. عبد الوهاب المسيري، القسم الثاني، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1403 هـ، 1983 م، ص 450.
(2) راجع تفصيلا: المرجع السابق، ص 452، 453.
(3) نفسه، م س، ص 459.