الصفحة 40 من 66

1904 م)، الذي يعد مؤسس الحركة الصهيونية الحديثة، فقد فكّر هرتزل في إيجاد بلد لليهود لحل ما أسماه المشكلة اليهودية في العالم، حيث رأى أن اليهود متعرضون للاضطهاد دائما، وفي مختلف أنحاء العالم، وهذا عائد إلى ممارساتهم الاقتصادية واستغلالهم الناس، غير التجاوزات السياسية، وكان الوطن المقترح دولا عدة منها:"الأرجنتين"لاتساع مساحتها وقلة سكانها، و"أوغندا"، و"فلسطين"وقد استقر عزمه على فلسطين نتيجة ترسخها في الوجدان الديني اليهودي، واتفاقا مع أطماع الدول الأوروبية الكبرى في تقسيم الدولة العثمانية، بوضع كيان غريب وسطها، كما أن ذكر فلسطين بوصفها أرض الوطن الذي يجمع شتات اليهود سيلهب مشاعرهم الدينية، ويدفعهم للهجرة إليه، ودعمه بأموالهم الطائلة [1] وقد قرَّ عزمه على ذلك، وأفصح عنه بقوله:"إن فلسطين هي وطننا التاريخي الذي لا يمكننا نسيانه. ومجرد الاسم هو صرخة عظيمة، لو يعطينا جلالة السلطان (العثماني) فلسطين لكنا نأخذ على عاتقنا إدارة مالية تركيا كاملة مقابل ذلك، ونقيم هناك جزءا من حائط لحماية أوروبا في آسيا يكون عبارة عن حصن منيع للحضارة في وجه الهمجية" [2] . ويجدر بالذكر أن الصهيونية كانت قسمين في زمن هرتزل: الصهيونية السياسية وتسعى لاستعمار أية بقعة في العالم، والصهيونية العملية وتسعى لاستعمار فلسطين. ثم توحدت الحركتان بعدما أقنعت الحكومة البريطانية جناح الصهيونية السياسية بالتخلي عن تصميمهم القديم، فاندمجت الحركتان من أجل استيطان فلسطين، وهذا ما قرره المؤتمر الصهيوني السابع عام 1905 م [3] .

يذكر أن هناك ثلاثة عوامل تضافرت من أجل تشجيع الاستيطان اليهودي في فلسطين من قبل الحكومة البريطانية وهي: ميزان القوى الأوروبي، وتأمين مصالحها في مصر والعراق المهددتين من قبل فرنسا وروسيا، وطريق العبور الآمن للهند عبر سوريا، فبدأ الاتحاد العجيب بين سياسة

(1) انظر: موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية، (1897 - 1909 م) ، إحسان علي حلاق، ط 2، 1400 هـ، 1980 م، الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت، ص 111 - 114.

(2) الفكرة الصهيونية: النصوص الأساسية، م س، ص 120.

(3) انظر: موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية، م س، ص 213، 214.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت