فهرس الكتاب
باللفظ القرآني"بعبده"شرف عظيم للنبي الكريم، وقال العلماء: لو كان للنبي (صلى الله عليه وسلم) اسم أشرف منه لسمّاه به في تلك الحالة العلية. قال القشيري: لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية، تواضعا للأمة [1] .
وتثبت هذه الآية الكريمة مكانة المسجد الأقصى السامية؛ فقد كان مسرى الرسول (صلى الله عليه وسلم) في حادثة الإسراء والمعراج. وقد جاء في تفسير الآية ما موجزه: إن الله تعالى أسرى بعبده من المسجد الحرام، وقيل من مكة كلها بوصفها حرما، وقد حمله الله تعالى على البراق، حتى أتاه به، وصلى هناك بمن صلى من الأنبياء والرسل ثم عرج به إلى السماء. ويشير التعبير القرآني"الذي باركنا حوله"إلى أن الله تعالى جعل البركة لسكان ما حول المسجد الأقصى في معايشهم وأقواتهم وحروثهم وغروسهم [2] وقيل بالثمار ومجاري المياه، وقيل بمن دفن حوله من الأنبياء والصالحين وبهذا جعله مقدسا [3] . وفي قوله تعالى: {لنريه من آياتنا} فإن هذا من تلوين الخطاب والآيات التي أراه الله من العجائب التي أخبر بها الناس، وإسرائه من مكة إلى المسجد الأقصى في ليلة، وهو مسيرة شهر، وعروجه إلى السماء، ووصفه الأنبياء واحدا واحدا [4] ، فالمسجد الأقصى موطن معجزة الإسراء، وشهدت أرضه خطو الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وتنسّم ثراه عبق قدمي الرسول.
والقول الراجح المتواتر عن علماء الأمة وثقاتها، وما ورد في كتب الصحيح من الأحاديث الشريفة أن هذه الحادثة كانت بروح وجسد الرسول (صلى الله عليه وسلم) [5] .
(1) السابق، ص 135.
(2) انظر: تفسير الطبري، مج 8، ص 13، 14.
(3) تفسير القرطبي، م س، مج، ص 139. ويروي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: عن النبي (صلى الله عليه وسلم) :"يقول الله تعالى: يا شام أنت صفوتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي"
(4) السابق، ص 139.
(5) في الإسراء والمعراج ثلاث مسائل: الأولى بروحه ولم يفارق مضجعه وكانت رؤيا رأى فيها الحقائق ورؤيا الأنبياء حق. والثانية: قالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، والثالثة: ما عليه معظم السلف والمسلمين من أنه كان بالجسد والروح معا بدليل مفتتح سورة الإسراء، فدلالة الآية يشمل الروح والجسد. انظر: تفسير القرطبي، م س، مج 8، ص 135 - 137.