وفي خلافة عثمان رضي الله عنه حدثت الواقعة التالية: عند غزو"أرمينية"و"أذربيجان"اختلف القراء من أهل العراق وأهل الشام في قراءة آياتٍ من القرآن الكريم، فتمسك أهل حمص بقراءة المقداد بن الأسود، واتبع أهل الشام ودمشق قراءة أبيِّ بن كعب، وظل أهل الكوفة على قراءة عبدالله بن مسعود، وفضَّل أهل البصرة قراءة أبي موسى الأشعري، فلما انتهى الغزو ذهب القائد حذيفةُ بن اليمان إلى المدينة، وقال للخليفة: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلافَ اليهود والنصارى، فاستشار عثمان رضي الله عنه الصحابة، وانتهي الرأي إلى ضرورة نَسْخ مصحفٍ إمامٍ يجتمع عليه المسلمون، وتمَّ تشكيل لجنة برئاسة زيد بن ثابت لنسخ صحف حفصة، وإرسال نسخة منها إلى مكة، وأخرى إلى الشام، وثالثة إلى البحرين، وواحدة إلى اليمن، ومصحفًا إلى الكوفة، ومثله إلى البصرة وحبس بالمدينة واحدًا [1] .
وفي تطور لاحق أفرد بعض العلماء آيات الأحكام بالتفسير، ووضَعوا مؤلَّفاتٍ خاصةً أسموها:"أحكام القرآن"؛ من ذلك على سبيل المثال: أحكام القرآن للإمام الشافعي [2] ، وأحكام القرآن للرازي للجصاص [3] ، وأحكام القرآن لابن العربي [4] ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي [5] ، وبعض هذه الكتب يمكن اعتبارها تفسيرًا لأحكام القرآن، باعتباره المصدر الأسمى للتشريع الإسلامي؛ حيث أبان المؤلف معنى آيات الأحكام في ضوء الأسلوب العربي وأسباب النزول والسنن والآثار وأقوال السلف، ولكن البعض الآخر فسَّر آيات الأحكام على ما يوافق مذهبَه، فلم يَزِد عن جعلها مؤلفاتٍ فقهية مذهبية [6] .
33 -تدوين السنة: روى عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يَكتب السنن - كما أشار على أبي بكر من قبلُ بجَمع القرآن - فاستشار الصحابة، فأشار عليه عامتُهم بتدوين السنن، فلبث شهرًا يَستخير الله في ذلك. ثم أصبح يومًا وقد عزَم الله له، فقال: إني كنت ذكرتُ لكم من كتابة السنن ما
(1) محمد الزفزاف، التعريف بالقرآن والحديث، الكويت: 1979، ص 87 والمراجع التي أشار إليها.
(2) جمعة: البيهقي، وقدم له: محمد زاهد الكوثري، وكتب هوامشه: عبدالغني عبدالخالق، وعُني بنشره وتصحيحه ووقف على طبعه: دار الكتب العلمية، بيروت: 1395 هـ 1975.
(3) مطبعة الأوقاف الإسلامية، إستانبول: 1335 هـ.
(4) مطبعة الحلبي، القاهرة: 1376 هـ 1957.
(5) مطبعة دار الكتب المصرية: 1373 هـ 1952.
(6) عبدالوهاب خلاف، السلطات الثلاث في الإسلام، ص 122/ 123.