قد علمتم، ثم تذكرتُ فإذا أناسٌ من أهل الكتاب من قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتبًا فأكَبُّوا عليها وترَكوا كتاب الله، وإني والله لا أشوبُ كتاب الله بشيء أبدًا، وعدَل عن كتابة السنن [1] .
فهذه المحاولة لم يُكتب لها النجاح، ولكنها ظهرَت مرة أخرى في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز، فقد حكى مالكٌ في الموطأ: أن عمر بن عبدالعزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم، أنِ انظر ما كان من حديث رسول الله، أو سنَّة أو حديث، أو نحو هذا فاكتبه لي؛ فإني خفتُ دُروسَ العلم وذَهاب العلماء [2] .
وروى أبو حاتم الرازي عن ابن ذهب عن مالك، قال: لم يكن عندنا أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن حزم، وكان ولاَّه عمر بن عبدالعزيز، وكتب إليه أن يكتب إليه العلم مِن عند عمرةَ بنت عبدالرحمن والقاسم بن محمد - وهما من تلاميذ عائشة - فكتبَه له، ولم يكن على المدينة أنصاريٌّ أميرًا غير أبي بكر ابن حزم، وكان قاضيًا [3] .
وورد أن عمر بن عبدالعزيز كتب لأهل الآفاق مثلَ ما كتب لابن حزم، فقام العلماء بتدوين ما عندهم من السنن [4] . وقد ذكر ابن عبدالبر أن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري دوَّن وقدمه إلى عمر في حياته، فكان عمرُ يرسل إلى كل أفق دفترًا من دفاتره [5] ، أما ابن حزم فقد قام بما كلفه به الخليفة خيرَ قيام حتى أتمَّه، ولكن عمر كان قد مات، فلم يرَ مدونة أبي بكر بن حزم [6] .
وبهذا التدوين الرسمي صارت أغلبُ نصوص المصدر التشريعي الثاني مسطورةً ومكتوبة، وأدى هذا التدوينُ إلى ضبط السُّنة والمحافظة عليها من الضياع ومن التغيير والتبديل، وإلى تسهيل الرجوع إليها باعتبارها مصدرًا تشريعيًّا لا يَسوغ الرجوعُ إلى القياس إلا بعدَ الرجوع إليها" [7] ."
(1) صديق أبو الحسن، دراسات في السنة النبوية الشريفة، القاهرة: 1408 هـ 1988، ص 121/ 122، والمراجع التي أشار إليها.
(2) محمد الزفزاف، المرجع السابق، ص 208، وما أشار إليه من مراجع.
(3) أبو حاتم الرازي، الجرح والتعديل، مخطوط بالمكتبة الوطنية بباريس، ص 7 A.
(4) صديق أبو الحسن، المرجع السابق، ص 132.
(5) ابن عبدالبر، جامع بيان العلم، الطبعة الأولى، جـ 1 ص 76.
(6) صديق أبو الحسن، المرجع السابق، ص 133.
(7) عبدالوهاب خلاف، المرجع السابق، ص 125.