الصفحة 37 من 57

عليه، فوضع الموطَّأ، وقال غيره: إن أبا جعفرٍ لما قال لمالك: ضع كتابًا في العلم نجمع الناس عليه، قال له مع ذلك: اجتنب فيه شواذَّ ابن عباس وشدائدَ ابن عمر ورُخَص ابن مسعود" [1] ."

"وقال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا الواقدي قال: سمعت مالك بن أنس يقول: لما حج أبو جعفر المنصور دعاني، فدخلتُ عليه فحادثتُه، وسألني فأجبتُه، فقال: إني عزمتُ أن آمر بكتابك هذا الذي وضعتَه - يعني الموطأ - فيُنسَخ نسخًا، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدَّوه إلى غيره، ويدَعوا ما سوى ذلك من هذا العلم المحدَث؛ فإني رأيت أهل العلم رواة أهل المدينة وعملهم."

فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا؛ فإن الناس قد سبقَت إليهم أقاويلُ، وسمعوا أحاديثَ، وروَوْا روايات، وأخذ كل قوم مما سبق إليهم وعملوا به ودانوا له من اختلاف الناس وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقَدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهلُ كل بلد منهم لأنفسهم، فقال: لعَمري لو طاوعتني على ذلك لأمرتُ به [2] .

ويبدو أن هارون الرشيد أعاد هذه المحاولة مرة أخرى؛ فقد روى أبو نُعيم في الحِلْية عن مالك بن أنس أنه قال:"شاورني هارون الرشيد أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه، فقلتُ: لا تفعل؛ فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع، وتفرَّقوا في البلاد، فكلٌّ مُصيب" [3] .

35 -الخراج لأبي يوسف: يبدو أن هارون الرشيد كان قد تأثر بما كتبه ابن المقفع في رسالة الصحابة لأبي جعفر المنصور؛ ذلك أنه حين وَلي الخلافة استقطَب واحدًا من أنبَهِ تلامذة الإمام أبي حنيفة (أبو يوسفَ يعقوب بن إبراهيم المتوفَّى سنة 182 هـ) ؛ لأنه كان أول من دوَّن الكتب في المذهب الحنفي، كما يقول ابن النديم في الفِهرِست، فأسند إليه القضاء، وكان أول من حمل لقب"قاضي القضاة"، وقد طلب الخليفةُ من أبي يوسف أن يضَع له كتابًا يستهديه في نُظُم الدولة المالية وإدارتها؛ لإزالة ما كان في

(1) الزواوي، كتاب مناقب الإمام مالك، طبع سنة 1325 هـ ص 32 وفي ص 31: قال مالك: ثم قال لي: قد أردتُ أن أجعل هذا العلم علمًا واحدًا، أكتب به إلى أمراء الأجناد وإلى القُضاة فيعملون به، فمَن خالف ضربتُ عنقه.

(2) السيوطي، تزيين الممالك، طبع سنة 1325 هـ، ص 70.

(3) محمد محمد مخلوف، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، طبع مصر 1349 هـ، ص 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت