عهد الأمويين من العمل بالرأي الطليق في هذا الأمر، فدوَّن أبو يوسف"كتاب الخرَاج" [1] ، الذي يُطلِق عليه الباحثون اسم الدستور الديني للسياسة العامة" [2] ."
ولا يوجد بيدنا كتابُ الخليفة الذي يكلِّفه بهذا العمل، ولكنا نجد في مقدمة كتاب الخراج:"إن أمير المؤمنين - أيده الله تعالى - سألني أن أضع له كتابًا جامعًا، يعمل به في جباية الخراج والعُشور والصدقات والجوالي (الجزية) ، وغير ذلك مما يجب عليه النظرُ فيه والعملُ به، وأراد بذلك رفع الظلم عن رعيته والصلاحَ لأمرهم، وفَّق الله تعالى أمير المؤمنين وسدده وأعانه على ما تولَّى من ذلك، وسلَّمه مما يخاف ويَحذر، وطلب مني أن أبيِّن له ما سألني عنه مما يريد العمل به وأفسِّره وأشرحه، وقد فسَّرتُ ذلك وشرحتُه" [3] .
وقد جدَّت في أمور النظام الإداري والمالي مسائلُ، بعد كتاب الخراج لأبي يوسف، جعلت الخليفة المهتديَ يطلب إلى الخصَّاف (المتوفى سنة 261 هـ) مراجعة قانون الإدارة وإبداءَ ما يراه، فذكَر له آراءه في"كتاب الخراج"الذي وضعَه لذلك [4] ، ولكني لم أقف على هذا الكتاب.
36 -كتاب الأحكام الشرعية للخلافة الفاطمية: من المعروف أن الفقه عند طائفة"الإسماعيلية"يعتمد على"التأويل" [5] ، وعلى أن الخليفة هو المرجع الأول والأخير في تحديد الأحكام؛ لأنه الشخص الذي وَرِث العلم الإلهيَّ كلَّه عن آبائه وأجداده من لدن الإمام عليِّ بن أبي طالب [6] ، فلما دخل المعز لدين الله مدينة القاهرة"كان معه عالِمُه الأكبر وفقيهُ الإسماعيلية، فلم يلبَث أن عُيِّن قاضيَ القضاة بمصر - وهي أول مرة عُرف فيها هذا الوصف بمصر، وكان قبل ذلك قاصرًا على القاضي الأكبر ببغداد دار الخلافة الكبرى - وكان هذا القاضي يَقضي بين الناس بمذهب الإسماعيلية في المواريث وفي أشياء أخَر ... ومع ترتيب القضاء المصري على هذا المذهب، كان علماؤهم يَقومون بتدريسه في الجامع"
(1) أبو يوسف، الخراج، الطبعة الأولى - الأميرية: 1302 هـ.
(2) علي عبدالقادر، نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي، القاهرة: 1956، ص 203.
(3) أبو يوسف يعقوب، الخراج، المرجع السابق، ص 1 - 3.
(4) علي عبدالقادر، المرجع المتقدم، ص 205.
(5) عبداللطيف حمزة، الحركة الفكرية في مصر في العصرين الأيوبي والمملوكي الأول، القاهرة: 1366 هـ 1947، ص 199.
(6) عبداللطيف حمزة، المرجع المتقدم، ص 75، نقلًا عن خطط المقريزي.