الصفحة 46 من 74

ولأن ظاهر قوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة:228/ 2] ، وجوب التربص ثلاثة كاملة، ومن جعل القروء الأطهار، لم يوجب ثلاثة، لأنه يكتفي بطهرين وبعض الثالث، فيخالف ظاهر النص، ومن جعله الحيض أوجب ثلاثة كاملة، فيوافق ظاهر النص، فيكون أولى من مخالفته.

ولأن العدة استبراء، فكانت بالحيض، كاستبراء الأمة، لأن الاستبراء لمعرفة براءة الرحم من الحمل، والذي يدل عليه هوالحيض، فوجب أن يكون الاستبراء به.

ويرى المالكية، والشافعية:

أن القرء هوالطهر؛ لأنه تعالى أثبت التاء في العدد «ثلاثة» ، فدل على أن المعدود مذكر، وهوالطهر، لا الحيضة، ولأن قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق:1/ 65] ؛ أي في وقت عدتهن، لكن الطلاق في الحيض محرَّم كما تقدم في بحث الطلاق البدعي، فيصرف الإذن إلى زمن الطهر، وأجيب بأن معنى الآية مستقبلات لعدتهن.

ولأن القرء مشتق من الجمع، فأصل القرء الاجتماع، وفي وقت الطهر يجتمع الدم في الرحم، وأما الحيض فيخرج من الرحم، وما وافق الاشتقاق كان اعتباره أولى من مخالفته.

وفائدة الخلاف: أنه إذا طلقها في طهر، انتهت عدتها في رأي الفريق الثاني بمجيء الحيضة الثالثة؛ لأنها يحتسب لها الطهر الذي طلقت فيه، ولا تخرج من عدتها إلا بانقضاء الحيضة الثالثة في رأي الفريق الأول، وقد روي عن عمر، وعلي، أنهما قالا:"يحل لزوجها الرجعة إليها، حتى تغتسل من الحيضة الثالثة» مما يؤيد رأي الفريق الأول."

والذي أميل له هو: الرأي الأول، لاتفاقه مع الواقع والمقصود من العدة، فالنساء تنتظر عادة مجيء الحيض ثلاث مرات، فيتقرر انقضاء العدة، ولا تعرف براءة الرحم إلا بالحيض، فإذا حاضت المرأة تبين أنها غير حامل، وإذا استمر الطهر تبين غالبًا وجود الحمل، وقد روى النيسابوري عن الإمام أحمد: «كنت أقول: إنه الأطهار، وأنا أذهب اليوم إلى أن الأقراء الحيض» ، ورجوعه عن رأي سابق يكون عادة لمسوغات، أومرجحات أقوى.

أسباب وشروط كل نوع من أنواع العدة [1] :

عرفنا أن العدة أنواع ثلاثة: عدة الأقراء، وعدة الأشهر، وعدة الحبل.

أولًا - عدة الأقراء: لها أسباب أهمها ثلاثة:

(1) البدائع ج 3 / ص 191 - 193، مغني المحتاج ج 3 / ص 388.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت