منّ الله على أبي طلحة فكان بعد إسلامه وزواجه من أم سليم من المقدمين في قومه المسلمين من الأنصار في المدينة، فكان أحد النقباء الاثني عشر في بيعة العقبة, وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وقد كان رضي الله عنه من الشجعان والرماة المعدودين في الجاهلية والإسلام.
لقد شملته بركة أمّ سليم، تلك المرأة والأمّ المباركة.
ومن جميل ما قرأته في أمر زواجهما أن أبا طلحة لما خطب أم سليم قالت له: يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد نبت من الأرض؟ قال: بلى، قالت: أفلا تستحي تعبد شجرة؟ إن أسلمت فإني لا أريد منك صداقًا غيره، قال: حتى أنظر في أمري، فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فقالت: يا أنس زوّج أبا طلحة، فزوجها [1] .
تلكم أم أنس، وذاكم عقلها، فمن من النساء تجاريها في ذلك أو تحاول لأعمالها تشبيهًا؟
وقد كان أنسٌ بين هذين العظيمين -أمّ سليم وزوجها أبي طلحة-، ولو قدّر له أن يتربّى بينهما وفي بيتهما لكان صاحب مقام عظيم ولتبوأ مكانة مرموقة في الإسلام، لكن ذلك المقام وتلك المكانة ما كانا أبدًا ليصلا به إلى ما وصله بخدمته رسول الله صلى الله عليه وسلم وتربيته على يدي مربّي الإنسانيّة محمد صلى الله عليه وسلم!
حين بلغ أنس العاشرة من عمره أتت به أمّه أم سليم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ليخدمه ويتربى على يديه، قائلة:"هذا أنسٌ غلامٌ يخدمك" [2] ، فقَبِله رسول الله، وإن أنسًا ليذكر ذلك اليوم ويحدّث به في كل مجلس مفتخرًا ومبتهجًا بما آتاه الله من فضل وأكرمه من نعمة، يذكره بحذافيره حتى إنه ليذكر ملابسه وقتها ما كانت ومن أي نوع، وعلى أي نحو لبسها، يقول: قد أزرتني بنصف خمارها، وردتني ببعضه، فقالت: يا رسول الله! هذا أنيس ابني، أتيتك به يخدمك، فادع الله له، فقال: «اللهم أكثر ماله وولده» [3] .
ومنذئذ وأنسٌ يتقلّب في نِعَم من ورائها نِعَم، يستمدّها من معين التّربية المصطفويّة ويقبسها من الشّمائل المحمّديّة، ثمّ يذيع ذلك على آذان الأمة لتعيها أذن واعية.
يقول أنس:"خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍّ قَطُّ، وما قال لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَ تركته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم"
(1) حلية الأولياء (2/ 60) .
(2) يأتي تخريجه من مسند أحمد.
(3) أخرجه مسلم (2481) .