الصفحة 11 من 81

من أحسن الناس خُلُقًا، ولا مسست خزًّا قطُّ ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكًا قطُّ ولا عطرًا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم" [1] ."

على مثل هذه القيم العظمى تربّى أنس، وبها تخرج في مدرسة النبوة، ومجال الحديث عن أنس وعن أثر تربية النبي صلى الله عليه وسلم في حياته مجالٌ خصبٌ ينتظر الأقلام المبدعة لتستخرج منه للأجيال دررًا ولآلئ.

أسرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم يومًا إلى خادمه أنس بسرّ، وكأنه أمره أن يحمله ويبلّغه عنه إلى بعض نسائه، ثم أوصاه فقال له: لا تخبر بسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا، فخرج أنس إلى الطريق، وهو يومئذ صبي يلهو كما يلهو الصبيان ويستهويه ما يستهويهم، فوجد الصبيان يلعبون فقعد يلعب معهم، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في بعض حاجته فوجد أنسًا يلعب، فجاء النبي فسلم على الصبيان ثم أخذ بأذن أنس يداعبها، وقال: أي لكع، ألم أبعثك في حاجة؟ فقال أنس معتذرًا: نسيت، فقال له صلى الله عليه وسلم: الآن فاذهب.

وكأن أنسًا عرّج في طريقه على بيتهم لحاجة، فسألته أمّه أم سليم: فيم كنت؟ فقال لها: كنت في حاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت -تختبره-: ما حاجته؟ فقال أنس: إنها سرّ! قالت أمّ سليم: احفظ سرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تخبر به أحدًا.

لقد كان أنس رضي الله عنه يحدّث بهذا الحديث تلميذه الوفي،"ثابت البناني"، وأنس حينئذ ابن تسعين سنة - وقد مر على الحادثة قريب من ثمانين سنة - فقال له: والله لو حدّثت به أحدًا لحدثتك يا ثابت، وإني ما أخبرت به أحدًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد سألتني أمّي أمّ سليم فما أخبرتها به [2] .

هذا موقف واحد من ألوف المواقف كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وخادمه أنس، وجميعها ينضح عطرًا ويرشح عنبرًا.

(1) أخرجه مسلم (2330) ، وغيره.

(2) سقته من مجموع روايات، انظر: البخاري (5931) ، وشرح الحافظ على الحديث في فتح الباري (11/ 82) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت