الصفحة 12 من 81

ويسترعي الانتباه في هذا الموقف: حسن تربية النبي صلى الله عليه وسلم في مسلكها، وأثرها، وعظم دور أمّ أنس رضي الله عنها في دعم هذه التربية وتثبيتها وتشجيعها، وطريقتها في ذلك طريقة حسنة، وهي الحوار، ونعما هي:

أبطأ ولدها عن حضوره إلى البيت فسألته: أين كنت؟

فقال: في حاجة رسول الله!

فاختبرته: وما حاجته؟

فأجابها: إنها سرّ!

فأوصته: احفظ سرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

وزادته: ولا تخبر به أحدًا.

نعم الأدب الذي يأتي حوارًا، فهو طريقة منتجة وقويّة، ومن جرّب ذلك عرف.

وفي المستفاد من هذا الحديث تفاصيل أخر لها مناسبات هي بها أليق، وموقف أمّ أنس هو دافع سياقه، فلله درها من مربية!

فأيّ أمّ أعظم منّة على ولدها من أم أنس بن مالك بصنيعها ذلك له؟

لقد صار أنس كلّه وكلّ ما قدّمه لهذا الدين في ميزان أمّه، فنعم العطاء الذي أعطته له، ونعم العمل الذي قدّماه لهذا الدين!

لقد كانت أمّ أنس سببًا في دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنس بن مالك أكثر من مرة، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم له: «اللهم ارزقه مالًا وولدًا، وبارك له» ، روى مسلم عن أَنَسٍ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا، وَمَا هُوَ إِلَّا أَنَا وَأُمِّي وَأُمُّ حَرَامٍ، خَالَتِي، فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللهِ خُوَيْدِمُكَ، ادْعُ اللهَ لَهُ، قَالَ فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ: «اللهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ» [1] .

وقد استجاب الله سبحانه دعاء نبيه، فكان أنس أكثر الأنصار مالًا، وأوفرهم ذرية، حتى إنه رأى من أولاده وحفدته ما يزيد على المائة، وقد بارك الله له في عمره حتى عاش قرنًا كاملًا وفوقه ثلاث سنوات [2] .

(1) رواه مسلم (2481) .

(2) صور من حياة الصحابة (16) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت