الصفحة 21 من 81

فلما مات معاوية رضي الله عنه وكان قد أخذ البيعة لابنه يزيد وجدّدت الأمة البيعة ليزيد هذا بعد وفاة أبيه؛ كان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما فيمن امتنعوا عن بيعته، وكان يزيد يصرّ على طلب البيعة منه وممن امتنع مثله كالحسين بن علي رضي الله عنهما، وكان ذلك الإصرار بمثابة الشرارة التي أوقدت الفتنة؛ إذ شعر ابن الزبير أنه مطلوب فمسجون أو مقتول، ومثله الحسين وكان من أكابر المتزعمين للامتناع عن البيعة كعبد الله.

"شعر كل منهما بأنه مطلوب، وأنه إذا لم يبايع فسيكون ضحية طيش يزيد، وأن سيوف أعوان الخليفة الجديد أصبحت مسلولة عليهما، فعادا إلى البيت الحرام، ولجآ إلى مكة المكرمة يطلبان فيها الأمان، ويحتميان بحمى الله فيها، ولئن أصاب يزيد حين أبقى عمال أبيه على الولايات، ليضمن استقرار الأمور فيها، فقد خانته عبقريته في إصراره على طلب البيعة من الحسين وابن الزبير، حيث كان إصراره هذا موحيًا بعدم تأمين الحياة لهما، وبأن بقاءهما في عهد يزيد محفوف بالمخاطر، وذلك أدى بهما إلى أن يبحثا عن الأمان، ولم يجداه إلا في تجييش أنصارهما، وحشدهم في مكان يصعب على يزيد وأعوانه أن يقتحموه، وكان ذلك في مكة المكرمة، في جوار بيت الله الذي قال فيه: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] ."

ولم يكن لهذا التجمع وذلك الحشد نتيجة سوى المواجهة التي أودت بحياة الآلاف من المسلمين، وكان على رأس هؤلاء جميعًا الحسين بن على - رضي الله عنهما - حيث قتل في كربلاء - شهيدًا - على يد فئة ظالمة من جيوش يزيد [1] .

لقد كانت غلطة من يزيد، بدأ بها حياته، وظلت تلاحقه حتى مماته، ولم يستطع التخلص منها، وبدأت سلسلة الأخطاء تتوالي في حياة الخليفة، وكلما ادلهمت الأمور من حوله، عظمت الأخطاء، وتضخّمت المشكلات، وكلما أراد حل مشكلة، عرض لها بمشكلة أخطر منها وأفظع، فمن الإصرار على عدم البيعة إلى تكوين جبهة معارضة تستعد للقتال، ومنها إلى معركة كربلاء، ثم تتمخض هذه المعركة عن قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتؤدي إلى غضب المسلمين، وإعلان ابن الزبير الخروج على الخليفة، وتستمر العداوة والبغضاء حتى تكون وقعة الحرة، وتتشوه صورة الخليفة في أعين المسلمين، ثم يتوفى بعد ذلك بقليل، أين غاب حلم معاوية عن ولي عهده؟ أغلب الظن أن الذي ورط يزيد في هذه

(1) الأمويون بين المشرق والمغرب (1/ 198) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت