-مرّ بنا ذكر البخاري خبر"الكتّاب"الذي حفظ فيه القرآن، وألهم فيه حبّ السنّة والحديث، فلا تتعالي على هذه المؤسسة العريقة، ولا تتكبري عليها، ولتجعلي لابنك من بركتها نصيبًا، فأقدم وأبرك وأعظم مؤسسة هي، لله درّ أقوام لا يزالون يقومون عليها، وآخرين يقيمون أولادهم بها ويجددون العهد والثقة معها.
-كان البخاري حين ختم القرآن ابن سبع وحين اهتم بالسنّة وذاكرها كان دون عشر، وحين رحل في طلب العلم خارج بلده بل خارج قطره كان ابن ست عشرة، وقد وردت الأخبار بأنه دوّن أوّل كتبه وهو بعد ذلك بسنتين، أي وهو ابن ثمانية عشر، فانظروا إلى هذه الأسنان واهتمامات الأطفال والشبان وإنجازاتهم، فصمّوا آذانكم عن سماع اللغو الذي يتردد عليها من مثل: لا تكبتوا الأولاد، ولا تضيّعوا مواهبهم في الحفظ فقط، وهذه الشنشنات الغريبة التي تعوّد الناس على ترديدها دون فهم أو وعي، إن إنتاج البخاري في هذه السنّ يعكف عليه اليوم باحثون ذوي أسنان ضعفها تقريبًا ليحصّلوا الدرجات العلميّة الكبيرة في جزء من مائة جزء من هذه المؤلفات!
-وأخيرًا هذه اهتمامات الأمهات أيضًا في تلك الأيام الفاضلة وهذه مخرجاتها ونتيجتها، فانظري يا أيتها الأمّ المؤمنة، كم في ميزانها من حسنات، وكم ترفع في الدرجات بنفع ابنها الدنيا بأسرها، وغير ذلك ترداد ذكره وذكرها في العالمين، فسبحان ربّي:
علوّ في الحياة وفي الممات ...
وصدق قول الله عن نبيه إبراهيم: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) } ، أي: واجعل لي ذكرًا جميلًا بعدي أذكر به، ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: {وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين}
[الصافات: 108 - 110] .
قال مجاهد، وقتادة: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} يعني: الثناء الحسن، قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) [