الصفحة 63 من 81

وقد كان فتحقق أملها، ولعله فاجأها عظم ذلك إن كانت بقيت في الحياة إلى ذلك الحين، أو لعلها أدركت تباشيره فقد ظهرت تباشيره مبكرة كفلق الصبح.

إنّ هذا الصنيع لا تحسنه ولا تقوى عليه كلّ أمّ، إلا أمّ مخلِصة مخلَصة، تركت إلى الله حبلها فألهمها طريقها.

إنّ قراءة سيرة أمّ البخاري على قصرها الشديد هذا تضع أيادينا على نقطة هي غاية في الأهمّية بل هي ركيزة أساسية في تخريج العلماء وتنشئة القادة ألا وهي صلاح الأمّ والتزامها وقربها من ربّها، فصلاح الأبوَيْن له أثر عظيم على ذريتهما، وهو سبب صلاحهم، وقد قال الله عن علّة حفظه مال اليتيمَيْن: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: 82] .

ومن اللافت للنظر أنه سبحانه أعمل في حفظ هذا المال نبيين كريمين هما موسى والخضر، عليهما السلام.

وأيضًا من تلك الركائز استعمال الأم سلاح الدعاء إلى الله في أن يقضي لها حاجتها من ولدها بأن يعينها الله على ما تريده وتطلبه ويوفقها إلى سلوك الطريقة المثلى للوصول إليه، فما أقصر الطريق وأسهلها على من كان الله معينه وما أطولها وأشقها على من لم يكن كذلك، فالأمر كما قيل:

إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى *** فأولُ ما يجني عليه اجتهادُهُ

فلا تغفل الأم التي تروم غاية عليا في مشوار تربيتها وتعليمها لأبنائها عن التضرع والإلحاح إلى الله بسؤاله التوفيق والسداد.

وقصة ذهاب بصر البخاري وردّه عليه بسبب دعاء أمه وتضرعها إلى الله هي خير دليل على كرامة تلك الأمّ على الله، ودليل على أقوى أسلحتها في سبيل الوصول إلى غايتها التي كانت سببًا عظيمًا في تغيير وجه العالم ومجرى الحياة.

ولا يخفى على أحد قدر البخاري فنذكره، ولا عظم مكانته فنأتي بالأخبار لندلل عليها، فالمعرف لا يعرف.

ويبقى فيما ذكرنا بعض العبر أشير إليها إشارات سريعة، لعل الأمّ المؤمنة تستفيد منها في تربيتها العملية لولدها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت