فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل، فدخل فنظر فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟
قلت: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأحكم كتابه، وقال: صدقت.
فقيل للبخاري: ابن كم كنت حين رددت عليه؟
قال: ابن إحدى عشرة سنة، فلما طعنت في ست عشرة سنة، كنت قد حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء، ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت رجع أخي بها، وتخلفت في طلب الحديث، فلما طعنت في ثمانى عشرة سنة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم وذلك أيام عبيد الله بن موسى وصنفت كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم في الليالى المقمرة، وقلّ اسمٌ في التاريخ إلا وله عندى قصة إلا أنى كرهت تطويل الكتاب [1] .وقد طاف البخاري الدنيا يسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجمعه، فرحل إلى المدينة والعراق والشام ومرو ونيسابور وبلخ والري ومصر، حتى أخذ عن ألفٍ وثمانين شيخًا، كتب عنهم العلم، ليس فيهم إلا صاحب حديث وسنة [2] .
ونعود إلى التذكرة بأنّ الذي أعان البخاري على ذلك التطواف في البلدان هو المال الذي تركه له أبوه رحمه الله، وإذا تأملنا في حياة والد ترك لزوجه أولادًا ومالًا وتوفي فأخذت هذه الأم المال فوجّهت أبناءها لطلب العلم وأنفقت عليهم هذا المال، تعينهم به ولا تبخل عليهم، لو أخذنا هذا بعين الاعتبار لرأينا في تلك الأم الكريمة خصلة جديدة من خصال الخير والكمال، فما كنزت المال، ولا خافت عليه الضياع في طريق العلم، ولا قالت - كشأن كثيرات اليوم: أخزّنه لهم ينفعهم إذا كبروا، أو لا أتعجّل إنفاقه إلى حين، بل أخرجته مباشرة تنفق به على ولدها في بلده، ولا تكتفي بهذا بل تحمله إلى مكة أصل العلم وأم العلماء ليتعلم العلم بلسان أهله، وتنفق في سبيل ذلك نفقات كثيرة، ثم لا تعترض على رحلات البخاري إلى سائر البلدان ليلم بأصول العلم وفصوله وفضوله، وكيف لا؟ وهي التي شجعته وفي هذا الطريق رعته وتؤمل من وراء سعيه فيه أملها كلّه،
(1) تاريخ بغداد (2/ 7) ، مقدمة الفتح (478، 479) ، طبقات الشافعية الكبرى (2/ 217) .
(2) انظر سير أعلام النبلاء (12/ 395) ، فتح الباري (1/ 44) .