يضمن سلامتهم وسلامة دينهم قبل ذلك، والخير في العاجل والآجل هو ما يدلّ عليه الشرع ويرضاه منزله ويأجر صاحبه الخير عليه يوم القيامة.
إنّ أمّ شيخ الإسلام لتخبره وتخبر العالمين من ورائه أنها ربّته ليكون خادمًا لهذا الدين، ساعيًا فيما يحقق له الصيانة والرفعة والغلبة والنصرة، وأنها قد أعدته لهذا حين أقامت حياته على أساسٍ من شرائع الدين فعلمته إياها وأقامته في طريقها، ولهذا فإنها تنتظر اليوم منه إذا استطاع نفع الدين ألا يتردد عن تقديم نفعه على كل شيء مهما تكن التضحيات ولو كانت قربه منها، فإن قربه منها وإن كان حبيبًا إلى قلبها لكن قربه من ربه ودينه أحب إليها، وخدمته للإسلام والمسلمين في شتّى الأمصار أقرب إلى قلبها من أي شيء سواه، ولذلك فإنه لن يحصل غاية رضائها عليه إلا بذلك ولن يكون ذلك الرضا منها عليه إلا بقدر ما يقدمه لدينه وللمسلمين، فذلك هو مقياس رضائها الذي ينبغي أن يراعيه وميزان العلاقة التي تربط بينهما لا عاطفة الأمومة والبنوة ولا غيرهما.
لله هذه الهمم التي تنجب لأجل غاية، وتربي على هدف، وتسلك السبيل القويم في مراحل الوصول، وتقيم على المطالبة بحقوقها حين تكتمل لها الأدوات، وتنتظر النصر والظفر حين تؤدي دورها ويحين وقت الوفاء لها، فتنتظر الثمرة الحلوة للجهد والمشقة والبذل الذي قدمته.
وإنّ القلب لتقف دقاته أمام قول أمّ شيخ الإسلام له: وإنّي يا ولدي لن أسألك غدًا أمام الله عن بعدك عني؛ لأنّي أعلم أين وفيم أنت، ولكن يا أحمد سأسألك أمام الله وأحاسبك إن قصّرت في خدمة دين الله وخدمة أتباعه من إخوانك المسلمين!
ربّاه!
إنّ بعض العبارات تحته من الدروس العظيمة والعظات النافعة ما لا تكشف عنه الكلمات مهما تكن دقيقة محكمة، بل تحتاج إلى تدبّر القلب ويقظته بجمعيته ليفهمها، وهذه العبارة منها، فلا نتعرّض لها ببيان، وليحم قلبك أيها القارئ حول أنوارها وليطوّف في سماء معانيها، وحسبنا أن نقول: مثل هذه حريٌّ بابنها أن يكون شيخ الإسلام.
وبعد، فلعلّ في سيرة أمّ ابن تيمية - هذه السيرة العمليّة القصيرة جدًّا - من النفع ما لا تفي به المجلدات الضخمة النظريّة لتنبئنا عن عظم الجزاء الذي ينتظر المرابطات على ثغور التربية وينبههن إلى أهميّة دورهنّ المهمَل في تربية وتنشئة الأجيال.