"لقد كان رئيسا للدولة ولجماعة تدين بنفس العقيدة، لقد كان يجمع سلطة ومقام قيصر والبابا معا، ولكنه بابا بدون خيلاء البابا وغروره، وقيصر بلا فيلق [1] أو حشوده وبلا جيش عامل ولا حارس شخصي ولا قوة من الشرطة ولا دخل ثابت. لو أن ثمة رجل كان له الحق في أن يدعي أنه يحكم بالحق الإلهي فقد كان هذا الرجل هو محمد. فقد كانت معه جميع السلطات من غير أن يكون معه ما يدعمها أو يحافظ عليها. وقد كانت بساطة حياته الخاصة متطابقة ومنسجمة مع حياته العامة".
محمد الطاهر النقي:
لقد صارت مساحة تقدر بمليون ميل مربع تحت تصرفه بعد فتح مكة. إن سيد جزيرة العرب كان يصلح نعله ويرتق أو يرفو ملابسه الصوفية الخشنة ويحلب الشياه ويكنس البيت ويوقد النار ويقوم بالأعمال المنزلية الأخرى التي يعهد بها إلى الخدم عادة. وفي الأيام الأخيرة من حياته كانت المدينة حيث كان يقيم قد صارت أكثر أغنى. وكان الذهب والفضة متوفرين في كل مكان. وعلى الرغم من الرخاء الاقتصادي الذي كانت تشهده المدينة في تلك الأيام فإن أسابيعا كثيرة كانت تمضي من غير أن توقد النار في بيت ملك جزيرة العرب [2] .
وكان طعامه يقتصر على (الأسودان) التمر والماء. وكان أهل بيته يبيتون جوعى ليال عديدة متعاقبة لأنه ليس ثمة طعام يأكلونه في تلك الليالي. ولم يكن محمد ينام على فراش وثير وإنما كان فراشه حصيرا مصنوعا من ألياف النخل بعد يوم شاق طويل. وقضى معظم ليله في الصلاة [3] .
وكثيرا ما كان يندفع إلى البكاء بين يدي خالقه طالبا أن يمنحه القوة للقيام بواجباته.
(1) (الفيلق) وحدة من ثلثمائة إلى ستمائة جندي في زمن قدماء الرومان"قاموس تشيمبرز للقرن العشرين"طبعة الهند (1972) .
(2) يقصد محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. (المترجم) .
(3) استجابة وطاعة لأمر ربه في القرآن الكريم:"يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا" (المزمل: 1 - 4) (المترجم)