قال القاضي البيضاوي في تفسيره: {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ} : يريدُ به الجنس، ولا يريدُ به أنه أَنزلَ مع كلِّ واحدٍ كتابًا يخصُّه، فإن أكثرهم لم يكنْ لهم كتابٌ يخصُّهم، وإنما كانوا يأخذون بكتبِ مَن قبلهم.
قلت: أوردَ هذا الإشكالَ الفخرُ الرازيُّ عند تفسير الآيةِ (81) من سورةِ آل عمران، وأجابَ على نفسهِ بقوله:
والجوابُ عنه من وجهين:
الأول: أن جميعَ الأنبياءِ عليهم السلامُ أوتوا الكتاب، بمعنى كونهِ مهتديًا به، داعيًا إلى العملِ به، وإن لم ينزلْ عليه.
والثاني: أن أشرفَ الأنبياءِ عليهم السلامُ هم الذين أوتوا الكتاب، فوصفَ الكلَّ بوصفِ أشرفِ الأنواع.
قلت: وردَ في أكثرَ من موضعٍ قولُ المفسِّرين"جنسُ الكتاب"، ويَعني إطلاقُ هذا اللفظِ - كما فهمتهُ - جنسَ ما يُطلَقُ عليه لفظُ الكتاب، بغضِّ النظرِ عن مصدرهِ ومحتواه، والأفضلُ أن يقالَ هنا:"الكتابُ السماوي"مطلقًا، من غيرِ تحديدٍ لاسمه، فقد يكونُ المقصودُ القرآنَ أو التوراةَ أو الإنجيلَ أو الزبور، أو كلُّها، ولو لم يكنْ بصيغةِ الجمع. والله أعلم.
-ووردَ قولهُ تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [سورة آل عمران: 19] .
ذهبَ ابنُ جريرٍ الطبريُّ رحمَهُ الله إلى أن معنَى الكتابِ هنا"الإنجيل"، قال:"يعني بذلك جلَّ ثناؤه: وما اختلفَ الذين أوتوا الإنجيل - وهو"الكتاب"الذي ذكرَهُ الله في هذه الآيةِ"