الصفحة 16 من 88

عانق الزهد في الدنيا وعلائقها ومباهجها الزائلة، ذلك الكرم في إنفاق الذهب والفضة، هكذا علم الرسول صلى الله عليه وسلم أزواجه وبناته، أن ما عند الله خير وأبقى، ومنهن عائشة رضى الله عنها التى زهدت في الدنيا التى خيم عليها المُلك العضوض، وسقط فيها الخلفاء الواحد تلو الآخر شهيدًا، فماذا تبقى لها إلا الاشتياق إلى من رحلوا وأغلاهم وأعلاهم عندها الزوج والحبيب صلى الله عليه وسلم، فكانت توصي بأن تدفن مع أزواجه في البقيع، وتقول مناجية ربها: (يا ليتني كنت شجرة. يا ليتني كنت حجرًا. يا ليتني كنت مُدرة. ياليتنى كنت نسيًا منسيا) .

وكانت رضي الله عنها إذا قرأت الآية: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} تبكي حتى تبل خمارها، إلى أن أدركتها الوفاة رضي الله عنها وأرضاها سنة سبع وخمسين أو ثمان وخمسين للهجرة النبوية، ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان بعد وتر تلك الليلة، لتدفن بالبقيع، فيصلى عليها أبو هريرة، وكان يومئذ خليفة مروان على المدينة المنورة في أيام معاوية ابن أبي سفيان, وهى في سن الخامسة أو السادسة والستين من عمرها، وأَمَرَتْ أَنْ تُدْفَنَ مِنْ لَيْلَتِهَا؛ ليشيعها المهاجرون والأنصار في موكب حزين اعتصر القلوب و العيون.

ولئن طوى الزمن صفحة السيدة عائشة رضى الله عنها مثلها في ذلك مثل كل البشر، إلا أن صفحتها في قلوب من أحبوها لم تزل مفتوحة موصولة بها ومعها، يستعيدون سيرتها مع سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ويستذكرونها علمًا في مجالس العلم، ومحافل الأدب، فقهًا، وشعرًا، و حديثًا، ورأيًا لماحًا، وقولًا نفاذًا في كل علم، رضيًّ الله عن أمنا الباقية بقاء الدين في الدنيا وأرضاها وسائر أمهات المؤمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت