وجاء في معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني بسندٍ صحيح. عن مسروق [مسروق بن الأجدع ممن روى عن السيدة عائشة] ، أنه كان إذا حدَّث عنها، قال: (حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله المبرأة فلم أكذبها) .وفي رواية أخرى، قال: (حدَّثتنِي الصِّدِّيقةُ بنتُ الصِّدِّيق، حبيبةُ حبيبِ الله، المُبرَّأةُ من فوق سبع سماوات، فلَم أكذبها) .
كانت عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته داخل جدران بيته مع أسرته كما كانت خارج بيته، لقد صدق فولتير (20) حين قال في كلمته المشهورة: (إن الرجل لايكون عظيمًا في داخل بيته، ولابطلًا في أسرته ذلك لأن المعايشين له يرقبونه عن قرب، ويعلمون تصرفاته الظاهرة، ويسمعون ويتسمعون لدواخله الباطنة، فلا يشهدون له لا بالإعجاز ولا البطولة) ، إلا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويشهد بهذا باسورت سميث (21) : (إن ماقيل عن العظماء في مباذلهم لايصح ـ على الأقل ـ في محمد رسول الإسلام، فلم يُمْتحن رسول من الرسل أصحابه كما امتحن محمد أصحابه، فأول من آمن به أهله: زوجته وغلامه وابن عمه، وأعظم الناس لايأذن لزوجة واحدة بأن تحدث الناس عن أحواله) ، فما بالك برجل ٍ له تسع زوجات، ولم يصدر إليهم أمرًا ديكتاتوريًا كهذا بل أذن لهم بأن يحدثنَّ أصحابه لا بكل الأحوال المعروفة نهارًا فقط، بل بالمخبؤ عنهم تلفه خلوات الليل، فكل علماء الحديث يعرضون كل ما يتعلق بالنبى صحيحًا أم سقيمًا، حقًا أو باطلًا، ثم نقلوا إلى المسلمين جيلًا بعد جيل كل أحوال رسولهم، مما يظن الذين يثيرون الشبهات حولها أنهم قد وقعوا على كنز ٍ دفين، ليخرجوا من مخبؤاته كل فترة مايلوث سمعته صلى الله عليه وسلم من غمز ٍ له في زواجه أو أزواجه الطاهرات، وكأنهم أفذاذ في ميدان البحث العلمي والتأريخ الرصين واستكناه الأسرار، واستخراج الشبهات، ولو تحروا العظمة في أوج قمتها، لوجدوا أن هذا إنجاز لصاحب الرسالة يحسب له لاعليه، ولكنها الأحقاد تملأ السطور وسخائم الصدور، وذلك من باب رمتني بدائها وانسلت، ولو مارس الصحابة الإنتقائية بحسب وجهة نظرهم فيثبتوا ويحذفوا ماشاءوا كما فعل غيرهم لما وجدوا الذى يتصورونه شبهة فنحن نعترف بكون رسولنا صلى الله عليه وسلم بشر، ولم نرفعه لمصاف الآلهة فنخفي أفعاله الإنسانية ونبررها بتبريرات خائبة لاتنطلي على عاقل.