هذا الموقف الذى مر بين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبين أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها وأرضاها لم يلفت نظري وحدي بل لفت أنظار كثير ممن تناولوا سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم سواء من العرب أو من غيرهم، فهاهو توماس كارليل يقول (16) منبهرًا بصدق ووفاء الرسول صلى الله عليه وسلم لزوجته السابقة المتوفاة: (كان وفاؤه وفاءً لا تحده حدود. إنه لم ينس أبدًا زوجته الطيبة الكريمة الأخلاق خديجة، وبعد وفاة زوجته أم المؤمنين خديجة بوقت طويل، سألته زوجته الشابة، وهى امرأة كانت تشعر بمكانتها المتميزة بين نساء النبي، وسألته يومًا قائلة له:"ألستُ أنا الآن أفضل من خديجة؟. لقد كانت أرملة تقدم بها العمر، وكانت قد فقدت رونق شبابها. ألست تحبني أنا أكثر مما كنت تحبها؟"، فقال لها: ''لا، والله لقد آمنت بى إذ كفر بي الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، ورزقت منها الولد وحُرِمتموه مني''.
يعلق أحمد ديدات على هذا الموقف: (إن هذا الإطراء لاضرر فيه لأي شخص على قيد الحياة حتى روح أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها ربما كانت تسامح مثل هذا الإطراء. ولايوجد أى خداع في مثل هذه الأكذوبة البيضاء في حالة حدوثها. ولكن الحادثة قد وقعت بالفعل تدل على عبقرية هذا الرجل العظيم، والنبي الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم لكى تتجلى واضحة المعالم تلمحها كل العيون لكل البشر بعد أربعة عشر قرنًا من حدوثها، إنه الصدق. إنه الاعتراف بالجميل) .
ليس في الأمر عبقرية من الرسول صلى الله عليه وسلم بقدر ما هو الصدق وقولة الحق عن شخص يستحق هذا الحق بغض النظر عن كونه حيًا أو ميتًا غائبًا أم حاضرًا، فالمباديء لاتتجزأ ولقد كان صلى الله عليه وسلم من أصحاب المباديء وجاء ليعلم أمته ويرسخ فيها قيم العدل والإنصاف والعرفان بالجميل، وهو درس في الوفاء والقصاص من الحي للميت، ليتعلم منه نهازوا الفرص فيكفوا عن الإنتهازية والنفاق وبيع المباديء والذمم من أجل منافع وقتية زائلة، فصلى الله عليه وسلم وأكرم به من بشر ومن رسول مازلنا نمضي على طريق هداه نتلمس خطاه عسانا نصل، وسنصل بعون الله.