ومكاتمة الشعور والتعريض بالقول وهى قادرة على التصريح. وكل لون من ألوان الغيرة التى تتراءى في طبيعة المرأة فهو باد في خبر من أخبار السيدة عائشة، كأوضح مايبدو وأصدق ما يكون في طباع النساء. والغيرة في طبائع النساء ألوان: تغار المرأة على قلب الرجل الذى تحبه ولو شغلته الذكرى ولم تشغله المودة الحاضرة، لأنها تعلم من هذا أنها لم تشغل قلبه كله، وهى تأسى على كل ما يفوتها من شواغل ذلك القلب، ولو لم تكن ثمة منافسة محذورة. وتغار المرأة من المرأة الجميلة وإن لم تنافسها على رجل تحبه، وتغار من شريكتها في رجلها كائنًا ما كان حظها من الجمال، وتغار من كل مزية غير الجمال ما كان فيها سبيل إلى الحظوة في القلب الذى تريده لها ولا تطيق المزاحمة عليه. و"الأنثى الغيرى"في جميع هذه الألوان من الغيرة النسائية ماثلة هنالك في سيرة عائشة كما روتها وكما رواها غيرها، ما من فارق بينها وبين سائر النساء إلا الأدب الذى ينبغى لها والحق النبوي الذى هي جاهدة جهدها أن توفره وترعاه).
وتذكر كتب السيرة أن السيدة عائشة التي كانت الزوجة الأثيرة عنده صلى الله عليه وسلم وختم حياته في بيتها، لم تجرؤ بعد هذا أن تذكر السيدة خديجة أبدًا. غير أن من الثابت من فعلها رضي الله عنها وأرضاها أنها لم تكن تترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب منها مدة من الزمن حتى تتحين الوقت الذى تصفو نفسه فيه وتطيب فتطلب منه علمًا أو دعاءً، وذلك كما فعلت حين تتبعته إلى البقيع لَمَّا رأت تغير وجههه عند غضبه عندما صارحته بتتبعها له، فسألته كيف تدعو لأهل البقيع، فكان من أدبه ورحمته صلى الله عليه وسلم أن أجابها ولم ينهرها ـ كما يفعل بعض الرجال الغشوم من عصرنا بدعوى الرجولة والكرامة ـ إيثارًا لتواصل المودة بينهما.
ـ عن السيدة عائشة أنها قالت: لما رأيت من النبي صلى الله عليه وسلّم طيب نفس قلت: يا رسول الله، ادع الله لي، قال: ''اللهمّ أغْفِرْ لِعَائِشَةَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهَا وَمَا تأخَّرَ، ومَا أَسَرَّتْ ومَا أَعْلَنَت''. فضحكت عائشة حتى سقط رأسها في حجرها من الضحك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ''أَيَسُرُّكِ دُعَائِي؟ ''، فقالت: وما لي لا يسرني دعاؤك؟! فقال:''والله إنَّها لَدَعْوَتِي ُلامَّتِي في كُلِّ صَلاة'' (15) .