يقول العقاد (10) وهو يرصد هذا التقابل المذهل بين الزوجتين: (كان تقابلًا بين الزوجين الفضليين من أعجب ماتأتى به المصادفة بل من أعجب مايأتى به التدبير، وليس هناك تدبير معروف) .
وليس العقاد فقط الذى استلفتته تلك المطابقة بين أمهاتنا عائشة وخديجة بل ذكرها ر. ف. بودلي (11) : (ليس هناك شك في أن عائشة
وخديجة كان لهما أثرٌ عظيم في وجود هذه الديانة التى يدين بها اليوم سبع سكان العالم. [الآن صار المسلمون ـ بفضل الله - ربع سكان العالم] (12) .
يوضح الدكتورعبد الحليم حفنى سبب غيرة أمنا عائشة من الوجهة النفسية (13) : (كانت عائشة تغار من كثرة ذكررسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة، بمعنى أنها الأثيرة عنده والمرجحة، فهى إذن خيرٌ منها، ولكنها ترفض هذه الأولوية لها وتريد أن تكون الأولى دائمًا) .
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذها على ما قالت لمعرفته بدوافعها النفسية المشروعة، وأن الغيرة ليست مستنكرة من فاضلات النساء.
غير أن العقاد يصور لنا مشاعر الغيرة عند المرأة مهما كانت؛ فالمرأة هىَّ المرأة، مهما كانت مكانتها، ومهما كان العصر والبيئة التى تعيش فيها، وإنما يَكْمُن التباين بينهن في التزام الأدب من عدمه، فيقول (14) :
(والسيدة عائشة مثل من أمثلة الأنوثة الخالدة في جميع أقوامها وجميع عصورها. فضلها في الكتابة عنها أنها تلك الأنوثة التى نلمحها حولنا ونلمحها من قبلنا في كل أنثى وأنها ترينا النبى في بيته فترينا الرجل الذى ارتفع بالنبوة إلى عليا مراتب الإنسانية، ولكنه مع هذا هو الرجل في بيته كما يكون الرجل بين النساء على سنة الفطرة المعهودة من آدم وحواء، وفضلها على الجملة إنك تقرأ من أخلاقها ما تقرأ فلا تزال تقول بعد كل خبر ترويه أو يرويه غيرها: أجل هذه هى الأنثى الخالدة في كل سمة من سماتها. هذه هى الأنثى الخالدة في غيرتها، وهذه هى الأنثى الخالدة في دلالها، وهذه هى الأنثى الخالدة في كل ما عُرِفتْ به الأنثى من حب الزينة وحب التدليل والتصغير وحب التطلع وحب المكايدة والمناوشة،