الصفحة 20 من 88

وهنا يكمن سر الإعجاز المحمدي عندما تكلم عن زوجة سابقة أحبها في حضور زوجة حالية يُكنُ لها الحب أيضا، ولكنه في قرارة نفسه ظلت خديجة عنده سيدة النساء ليس كمثلها إمرأة وإن تكن عائشة بنت صديقه الصدوق الصديق أبي بكر الذي أحبه أيضًا، فقد كان صلى الله عليه وسلم يشعر بالبنوة مع خديجة، ويشعر بحنان الأبوة مع عائشة، فقد كانت السيدة خديجة أمًا ترعاه، تمده وتتعهده بالعقل والحنكة، رافقته بدايات رحلة الدعوة الأولى وهو بعد يتلمس الأنصار الأكفاء لدعوته الوليدة، بينما كانت السيدة عائشة بنتًا يدللها ويرعاها، تدخل السرور على قلبه بطرافتها وجمالها وأيضًا ذكائها وعقلها وفطنتها، أكملت مع الرسول صلى الله عليه وسلم خواتيم رحلة الدعوة بعد الجهر والقوة والمنعة، كما صاحبته خواتيم حياته الشريفة نفسها فبين صدرها ونحرها كانت وفاته صلى الله عيه وسلم.

يقول الإمام ابن تيمية (9) : (وهؤلاء يقولون: قوله لخديجة:"ما أبدلني الله بخير منها'' - إن صح - معناه: ما أبدلني بخير لي منها، لأن خديجة نفعته في أول الإسلام نفعًا لم يقم غيرها فيه مقامها، فكانت خيرًا له من هذا الوجه، فكونها نفعته وقت الحاجة، لكن عائشة صحبته في آخر النبوة وكمال الدين، فحصل لها من العلم والإيمان ما لم يحصل لمن لم يدرك إلا أول زمن النبوة، فكانت أفضل بهذه الزيادة، فإن الأمة انتفعت بها أكثر مما انتفعت بغيرها، وبلغت من العلم ما لم يبلغه غيرها، فخديجة كان خيرها مقصورًا على نفس النبي صلّى الله عليه وسلّم، لم تُبَلِّغ عنه شيئًا، ولم تنتفع بها الأمة كما انتفعوا بعائشة، ولا كان الدين قد كمل حتى تعلمه ويحصل لها من كمال الدين به ما حصل لمن علمه وآمن به بعد كماله، ومعلوم أن من اجتمع هَمُّه على شيء واحد كان أبلغ فيه ممن تفرَّق همُّه في أعمال متنوعة، فخديجة رضي الله تعالى عنها خير له من هذا الوجه) ."

وفي الجملة، فالكلام في تفضيل عائشة وخديجة ليس هذا موضع استقصائه، لكن المقصود هنا أن أهل السُّنة مُجمعون على تعظيم عائشة ومحبتها، وأن نساء النبى أمهات المؤمنين اللاتي مات صلى الله عليه وسلم عنهنَّ كانت عائشة أحبهنَّ إليه وأعلمهنَّ وأعظمهنَّ حُرمةً عند المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت