الصفحة 19 من 88

ولعل سائلٍ يسأل وما الذي أعلم عائشة بتعب تلقي الوحي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تقارن وتصف غضبه به؟!، يجيبك هذا الحديث عن سؤالك. عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَل رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟) ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ''أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيُفْصَمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ''.قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: (وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا) .

فلنعد مرة أخرى لسؤال السيدة عائشة، ولنصخ السمع جيدًا لندرك الفارق لرد رسولنا الرد العنيف، زاجرًا إياها بقوله:''والله ما أبدلني الله خيرًا منها '' وأخذ يعدد مناقب زوجته السابقة كأحسن ما يناجي الحبيب حبيبه، وهذا علي خلاف المتوقع: ''آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها الولد دون غيرها من النساء ''.

تعقيبًا علي جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومكمن الإعجاز فيه، أن الرسول الكريم فضل الزوجة المسنة المتوفية علي الزوجة الصغيرة المليحة التي مازالت معه حية ترزق، ولم يكتف بهذا صلوات ربي وسلامه عليه بل أخذ يدلل علي سرعظمتها عنده واستحقاقها لهذا الوفاء الصادق نقطة نقطة إلي أن وصل إلي النقطة الفارقة بينهما ألا وهي الإنجاب ليؤلمها بها فلم يقل لها ''ورزقني منها الولد ولم يرزقني منك'' بل قالها بشكلٍ ضمني يَفهم سامعه المراد منه ''دون غيرها من النساء'' ولا يظن ظان أن حسم إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم، صدرت منه بهذه الحدة الظاهرة عن كرهٍ لزوجته الحالية، ولكن عن حبٍ شديدٍ للسيدة عائشة اعترف به صراحةً ودون مواربة أمام صحابي جليل هوعمرو بن العاص عندما سأله ذات مرة: (من أحب الناس إليك يا رسول الله؟، فأجابه صلى الله عليه وسلم دون تردد: ''عائشة''.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت