فلو أراد أن يكتم أمر بيته لألزم أزواجه بهذا وسيطعنَّ أمره، ولكنه كان يعلم أنه صلى الله عليه وسلم مُرسل للإنسانية كلها وهو هاديها ومعلمها وخاتم الرسل ولن يرسل الله من سيعلم أمته بعده.
ولهذا قال الدكتور مصطفى السباعى (28) : (فلا تمتلك الإنسانية اليوم سيرة كاملة شاملة بهذا المعنى، سلطت الأضواء عليها من كل مكان فكانت مثالية - مثاليةَ الواقع لا مثالية الخيال - ولذا فهي تراثُ الإنسانية جمعاء، يرجع إليها المسلم تديُّنًا وتأسِّيًا وحُبًّا، ويقرؤها غير المسلم من ذوي الإنصاف ليرى نفسه أمام العظمة وقد جُمِعَتْ من أطرافها، ويعرف لهذا الرسول حقَّه) .
فالذى ميز حياة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم أن حياته وسيرته وشمائله كلها قد حفظها لنا التاريخ، فليس ثمة غموض في أي ناحية من حياته وسيرته، وقد اعترف بهذه الحقيقة كبار المؤرخين الغربيين.
يقول المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي (29) : (الذين يريدون أن يدرسوا السيرة النبوية العطرة يجدون أمامهم من الأسفار مما لا يتوافر مثله للباحثين في حياة أي نبي من أنبياء الله الكرام) .
ويضع الأديب مصطفى صادق الرافعي (30) المعايير التى يجب أن يلتزم بها كل من يريد قراءة سيرة الأنبياء: (فليس النبي إنسانًا من العظماء يقرأ تاريخه بالفكر معه المنطق، ومع المنطق الشك، ثم يدرس بكل ذلك على أصول الطبيعة البشريةِ العامة؛ ولكنه إنسانٌ نجميٌ يقرأ بمثل التلسكوب في الدقة، معه العلم، ومع العلم الإيمان؛ ثم يدرس بكل ذلك على أصول طبيعته النورانية وحدها. والحياةُ تنشيء علم التاريخ، ولكن هذه الطريقة في درس الأنبياء صلوات الله عليهم تجعل التاريخ هو الذى ينشيء علم الحياة؛ فإنما النبي إشراقٌ إلهيٌ على الإنسانية، يُقَوِّمُها في فلكها الأخلاقي، ويجذبُها إلى الكمال في نظامٍ هو بعينه صورة لقانون الجاذبية في الكواكب) .