الصفحة 38 من 88

ويؤكد هذا القول أيضًا حسين أحمد أمين (36) إذ يقول: (إني ما قطعت شوطًا في قراءة المؤرخين المسلمين القدماء، حتى تعلمتُ أن أكِنَ لهم احترامًا وتقديرًا عميقين، مقرونين بشيء من الدهشة، وأن أصل إلى الاعتقاد بأنه ما من أحد من مؤرخي العالم الغربي ـ ربما سوى ثيوسيديدس وتاسيتوس وجيبون ـ يفوق في موضوعيته ودقته وجديته مؤرخين مثل الواقدي والبلاذري والطبري ومسكويه والمقريزي والجبرتي) .

وينفي الكاتب تلك الانتقائية التى تحلى بها"كتبة الأناجيل"عن المؤرخين المسلمين فيقول: (وقد كان وراء منهاجهم هذا في الكتابة ـ أى إكتفائهم بسرد الأحداث دون التعليق عليها وتسجيل وجهة نظرهم ـ ووراء ذلك القدر المذهل من الموضوعية الذى تتمتع به مؤلفاتهم، اعتبارهم التاريخ المظهر الخارجي لإرادة الله في عالمنا هذا، واعتقادهم أنه بالإمكان التوصل إلى كنه هذه الإرادة باستقراء ظواهرها. ومن ثم فقد رأوا واجبًا عليهم تسجيل هذه الظواهر في صدق، والإحجام عن الهوى في الإنتقاء) .

وهذا حق فلقد تعامل المؤرخ المسلم بالدقة والتحري في تسجيل الحوادث وتأريخها بالسنة والشهر واليوم مخافة المجازفة بظلم من يكتب أو يروي عنهم فينسب لهم ماليس فيهم أو ما لم يقولوه، لأن منطلقه في كتابة التاريخ ليس الالتزام بالمنهجية العلمية وحسب بل المنطلق العقدي الإيماني، حتى اهتموا بالإسناد وبينوا أهميته من خلال عبارات مشهورة صاغها العلماء، أمثال: محمد بن سيرين: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) (37) ، وسفيان الثوري: (الإسناد هو سلاح المؤمن. فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟) (38) ، وعبدالله بن المبارك: (الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء) (39) ، والإسناد هو رفع الحديث إلى قائله هذا بحسب تعريف علم الحديث، وبحسب علم التاريخ هو إرجاع الرواية التاريخية إلى شخص شاهد عيان، ولأهمية الإسناد فقد تعدى استخدامه لكل العلوم كعلم الأدب العربي، والتاريخ والطب وغيرها من علوم (40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت