يحتار العرب في كيفية التعامل مع العدو الماكر، والجبار المكابر؛ شارون يوم أن كان رئيسًا للوزراء الذي يملك التصرف في القوى العالمية، وتحت قدراته الأكداس من الأسلحة المتطورة الهجومية المدمرة، وهي قدرات جهنمية تحت سيطرة قيادة غير عاقلة، ولا متأملة، قصيرة النظرة، تدمر خصومها وأهلها وذويها في أزمنة متفاوتة ومتتالية، فكيف يكون شارون عاقلًا وهو يزرع الألغام، ويعري أسلاك الكهرباء في منزله الدائم؟ ألم يكن من الواجب أن يتخذ وسائل السلامة التي تمنع اشتعال النيران؟ فكيف بالمندفع فاقد العقل شارون أن يفتح عليه وعلى شعبه بل على شعبه فقط لأنه في حماية فردية، يفتح معادة الشعوب التي لا تخضعها قوى الإدارة السلطية على مرّ الأزمان؟ فافتقاد الأمن موت بطيء للأفراد والشعوب أفضل منه الموت الحقيقي الذي أجبر عليه الفلسطينيون، بينما شارون استفز قومه فأطاعوه، فأخذ يهوي إلى الهاوية بالتدرج، أي بالموت البطيء، وليس من مات فاستراح بمثل ميت الأحياء.
وشارون يتعاظم حين يرى قدرته تستفز القوى الوحيدة المنفردة في أمريكا جنبًا إلى جنب مع قومه الذين أطاعوه، إنها قوة لا ريب في عظمتها، وتصور مدى ما يمتلك شارون بعقله القاصر التصرف فقد أسلمت دولة عظيمة قيادتها له، وهو القادر على صياغة قرارها، وهم مستسلمون له بفعل الانتخابات، مع إدراكهم أن منهج شارون مخالف للمبادئ الأمريكية التي تقوم على العدل والحرية والمساواة؛ فخسارة العرب بدماء تسيل لجماعات مهما كثرت أقل فداحة من خسارة أمريكا مبدئيًا وماديًا، مع التسليم بأن شارون جعل بني إسرائيل على شفا جرف هار سينهار به وبهم إن شاء الله قريبًا. وكان شارون ومن يساندونه وأمثالهم فيمن سيخلفهم سيسجل التاريخ أنهم أحد أسباب سقوط الدولة العظمى أمريكا، فهي أخذت تهدر أموال أمريكا، وتهدر مكانتها الشعبية بين الشعوب، وهل تقوى دولة عظمى على ذلك؟ فلتسأل التاريخ.
والعرب حين يلجَأون إلى أمريكا، ويطلبون مناصرتها كالمستجير من الرمضاء بالنار، والحالة أشبه بحرب البسوس الجاهلية، فشارون يمثل جساس الابن المتهور الذي جرّ قومه إلى حرب ضروس نتيجة نزوة تفتقد العقلانية، وبوش يمثل الأب (مرة) رئيس قبيلة بني بكر الذي لا قدرة له على تسليم ابنه جساس، أو (شارون) فقامت الحروب التي دمرت القبيلتين المتجاورتين بكر وتغلب نتيجة لغلبة قيادة هوجاء، لا تأملية، ولا عقلية، والأكثر مثالية استفزاز فرعون لقومه ضد النبي موسى عليه السلام حين أطاعوه، فأغرقهم الله في اليم. إن شارون طغى، وبغى، ومكر بالإنسانية المعاصرة، فهو قد مكر أولًا بالعالم المتقدم المتأمل، وجرهم إلى صراع الشعوب، وصراع الحضارات، وصراع الدمار الشامل.
ومن هنا نعود للبدء، مع من يتعامل العرب؟ لقد كانوا على مفترق الطرق، فإن أرادوا السلام تعاملوا مع أمريكا وأوربا، وإن أرادوا الحرب والصراع تعاملوا مع الذين لا يعرفون إلا الحرب وسفك الدماء؛ شارون ومن استفزهم من قومه.