الصفحة 46 من 89

العمل هو نتاج الثروة الزمنية، فكل لحظة في حياة الفرد ينبغي أن تستثمر بعمل، وفي ذلك رضا للرب، وصلاح لنفسية الفرد، ونماء لعقله، وكسبٌ لعيشه، وتطور لحياته، والعمل يستهل مع الفرد باستهلال الحياة، فبكاؤه عمل كي يجذب الهواء، ورضاعته عمل يلهمه الله إياه. وكل حركة من حركات الطفل عمل يؤدي إلى تطور مراحل الجسم، والنفس، والعقل، وصراعه والمشي والنطق عمل، وكل ذلك فطري، ثم يترك الله تطور العمل لفعلية الإنسان؛ الأم والأب، فيجب أن تكون هناك تربية منهجية عملية.

ونحن لو نظرنا إلى واقعنا الاجتماعي لرأينا أن الأولاد عالة على أمهاتهم من الطفولة حتى مراحل الشباب المتأخرة، أو قل حتى مرحلة الزواج، فالأم تكدح طبخًا وتنظيمًا وتنظيفًا، والولد لا يقوم بأي عمل، حتى تنظيف حجرته، وغسل ملبسه، وتنظيم مكتبته، إنما يوظف أمه لذلك حتى بعد بلوغ سن الرشد، وفي ذلك مخالفة شرعية، ففي هذه السن يجب أن يخدم والديه، لا أن يخدماه.

وفي هذه السن يجب أن يعمل عملًا يكسب منه، لا أن يثقل والديه بمطالب الحياة الكمالية التي ربما يقترض لها الأب، بل ليس ذلك فحسب، فهو أكثر تبذيرًا، وهو يتعامل مع الآلة بإسراف في سيارته، ومشترياته، حتى تشغيل المكيف لا يقوم بإطفائه، الحياة كلها عبث في مرحلة الشباب، والوسيلة لذلك من راتب الأب الذي يجب أن يرتاح في هذه المرحلة، وأن يستمتع بخدمة أبنائه، وتحصيلهم له، أليس من الخطأ أن يستشعر الأب مسؤولية وأعباء أولئك الشباب وهم في مرحلة القوة والفتوة، إن مثل هذا يؤدي إلى الاتكالية، وتعطيل أعظم قوة في المجتمع، بل تؤدي إلى استنزاف أموال المجتمع، وأموال الأفراد بدلًا من زيادتها ونمائها.

إن الشباب اليوم عاطل عن العمل، الكل عاطل، حتى أولئك الذين يدرسون حتى سن السادسة والعشرين عاطلون، فيجب أن نفكر في إيجاد عملٍ يتناسب مع فراغهم. إن هذه البطالة مخالفة شرعية، فالمسلم يجب أن يعمل بقدر علمه، ولا يؤجل العمل حتى يكتمل العلم، وهذه البطالة مخالفة عقلية، فالشباب بقوته يجب أن ينجز بعمل مثمر، وأن يوظف هذه العقول والأجسام في عمل يفيد الفرد والمجتمع.

ومن هنا نرى أن الواجب الوطني يحتم إثارة قضية العمل بوسائله العلمية والمنهجية، وأن ينغرس في روح الطفولة والشباب، وأن يعمل عليه رب الأسرة والأسرة والمدرسة والمجتمع، ووسائل الإعلام، ووزارة العمل، وأن تقوم هناك مؤسسات توجيهية وإرشادية، وأن توضح مناهج العمل وضرورته إسلاميًا وفرديًا ووطنيًا، لعلنا نبني، ولا نستنزف، نستثمر، ولا نسرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت