مرض
البطالة في العالم الإسلامي
كل مجتمع يتعرض للصحة والمرض، شأنه شأن جزئه المكون له، ذلك الجزء هو الفرد، والفرد تعتريه أمراض متعددة، منها ما يقاومه الجسم، فيتم الشفاء منه، ومن الأمراض ما تستعصي على المقاومة، وتتطور سريعًا لتولد أمراضًا أخرى، وهكذا تتكاثر الأمراض على الجسم حتى لا يكون صالحًا للروح. ومن الأمراض ما يختلس الجسم اختلاسًا حتى لا تكاد ترى معالمه الأولى، حتى يبلغ مرحلة الخطر، ومن الأمراض ما يزول بالعلاج، لكن يتهاون المريض، أو لا يكون المريض قادرًا عليه.
ومجتمعنا الإسلامي تعرض لمثل هذه الأمراض كثيرًا، ولولا اعتصامه بالدين الذي يمثل المناعة في جسم الفرد، وبعض المعالجات الطبية من المصلحين بالدين والعلم والإدارة لمات هذا المجتمع قديمًا، ولا أستطيع حصر الأمراض، لكني لفت انتباهي مرض البطالة في عالمنا الإسلامي، واستشرى هذا المرض لأكثر من ألف عام، وعوامله تزداد، وشره يستشري، وقد بدأت ملامحه من بعد القرن الهجري الأول، حينما دبَّ الثراء في أبناء المجاهدين الأوائل من الصحابة والتابعين، فقد خلفوا بعملهم أموالًا طائلة أشغلت الأبناء، وجعلتهم بمثابة الأمراء، وابتعدوا عن العمل، وكل منهم يتطلع إلى عمل وجيه، ومكانة رفيعة، بل اخذ واحدهم ينافس الخلفاء والأمراء والولاة، فأبعدوا هؤلاء المنافسين عن ميادين العمل، فورثوا لأبنائهم من بعدهم البطالة، والبعد عن التفاعل مع الحياة، ونتيجة لهذا عزل العنصر العربي عن الحياة الإدارية عبر القرون الإسلامية، ما عدا أولئك الأمراء من القبائل العربية الذين لم يخضعوا لما قلنا سابقًا، وإنما تأثروا بظروف الحياة القاسية، فكوّنوا لهم الإمارات العربية مثل العيونيين والأسديين والعقيليين، وبعض الإمارات في الشام مثل الحمدانيين، وأسرة آل منقذ وآل عمار، لكن العنصر التركي قضى على هذه، ومثل هذا يندرج على سائر الشعوب الإسلامية.