من أفضل تعاريف الحرب وإدراك ماهيتها وكنهها هو تعريف المعهد الفرنسي بأنها: كارثة (وأنها عدم الاعتراف بالغير، بل وإنكار وجوده واندلاع العنف، وغياب الحق، والمخاطرة بحياة الإنسان، وتدمير الثروات المتنوعة، وتكريس جميع النشاطات للمجابهات الدموية، وأفضلية اللامعقول على المعقول، والمطلق على النسبي في إطار عقلي شمولي، ومبدأ الغاية تبرر الوسيلة والفوضى، واشتداد الأزمات والدم والعرق والدموع، واللقاء الحتمي مع الموت، وانقطاع أحمق يبرهن على فشل العقل والقلب) نقله خالص جلبي / جدلية القوة والفكر، ص:58.
نحن نعيب على القبائل الأولى الصراع والحرب، وهم يتصارعون من أجل لقمة العيش والتنافس على المال والجاه والشهوة كقابيل وهابيل، وكلها لا مبرر لها، فالعمل والهجرات والرضا بالأدنى يمنع وقوع الحروب، ولكن الانفعال الداخلي والإحساس بالقوة التي تفتقد التأمل العقلي والمقارنة، وتأمل النتائج، والاستفزاز الانفعالي، وهيمنته على العقل والبرهنة، كلها أدت إلى قيام الحرب بين أفراد البشرية، وهل البداية البشرية وصراعهم مع الطبيعة والحيوان كان الأفضل والأقل خسارة ومؤونة. أم التطور إلى صراع الإنسان مع الإنسان؟ إن صراع الإنسان مع الإنسان يديره العقل الشرير الذي يفكر في آلة الفتك والانتقام. ومن هنا علا خطره، وتضاعف تدميره، وعندما وقف الإنسان في وجه الإنسان قدحت شرارة الثأر التي مثلتها حرب القبيلة والدويلات أشباه القبائل.
فكان الثأر مصدره الدماء، فالدم المسفوك يولّد دماء مسفوكة، وناره لا تنطفئ إلا بوعي ديني عميق؛ إذا صفعك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ومن قتل نفسًا واحدة كأنما قتل الناس جميعًا، فلا قدرة على إجهاض الثأر إلا بالاحتساب الديني، وكلنا نعيب الثأر وحرب القبيلة، والحروب البربرية في سائر المعمورة.
وقد خلفت النكبات، وخلفت الهجرات إلى جانب جثث القتلى المتناثرة ودمار المدن التي لم تمنعها حصونها من الهجمات البربرية. لكنها أقل كلفة ودموية من الحروب المعاصرة، وإن بقيت آثار الدمار أطول لانعدام التقدم العلمي والمعرفي المعاصر. أما اليوم فإنهم يفكرون في الإعمار قبل التدمير، وربما كان الإعمار هدفًا أساسيًا للحرب لتحريك رؤوس الأموال والشركات، وبسط النفوذ السياسي والفكري من خلال الشأن الاقتصادي، لكن مازالت وقفتنا عند الحروب القديمة، وحين نتأمل في فكرها المدون نجد رجال الفكر والسلم وصفوا كوارثها، واستنبطوا نتائجها التي تشغل الإنسانية، فهذا زهير بن أبي سلمى يصف اشتعالها ووهجها الحارق، ونتائجه المشئومة:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم